
ليس أردوغان وحده...
لماذا أصبح هاكان فيدان مصدر القلق الأكبر لإسرائيل؟.
على مدى سنوات، اعتادت إسرائيل أن تختزل علاقتها المتوترة مع تركيا في شخصية الرئيس رجب طيب أردوغان، باعتبار أن خطابه الحاد تجاه السياسات الإسرائيلية هو المحرك الأساسي للأزمة بين البلدين، لكن القراءة الإسرائيلية اليوم تبدو مختلفة تماماً؛ إذ لم يعد القلق منصباً على أردوغان وحده، بل على الرجل الذي يقف خلف كثير من التحولات الاستراتيجية التركية، وزير الخارجية هاكان فيدان...
هذا التحول ليس تفصيلاً عابراً، بل يعكس إدراكاً متزايداً داخل الدوائر الأمنية الإسرائيلية بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بخطاب سياسي قابل للتغير مع تبدل القيادات، وإنما بعقيدة استراتيجية جديدة تتشكل داخل الدولة التركية نفسها...
فيدان ليس سياسياً تقليدياً صعد عبر الأحزاب أو البرلمان، بل هو رجل استخبارات أمضى سنوات طويلة في إدارة جهاز الاستخبارات التركي، قبل أن ينتقل إلى قيادة الدبلوماسية التركية، وهذا المسار يمنحه ميزة نادرة؛ فهو يجمع بين المعرفة الأمنية العميقة، وفهم توازنات القوة، والقدرة على إدارة الملفات الإقليمية بعيداً عن الشعارات...
ولهذا السبب تحديداً تنظر إليه إسرائيل باعتباره أكثر تعقيداً من أردوغان نفسه...
فالسياسي يمكن التنبؤ بخطابه، أما رجل الاستخبارات فيُبنى نفوذه على المعلومات، والشبكات، وإدارة الصراعات بصمت...
اللافت أن إسرائيل لا تخفي خشيتها من أن يكون فيدان هو مهندس السياسة التركية في مرحلة ما بعد أردوغان. وإذا تحقق ذلك، فإن تل أبيب تتوقع استمرار النهج التركي الحالي وربما بصورة أكثر مؤسساتية وأقل ارتباطاً بشخص الرئيس...
وتستند هذه المخاوف إلى عدة مؤشرات:
أولها:
أن تركيا في عهد فيدان تحولت من دولة تراقب أزمات المنطقة إلى لاعب مباشر فيها؛ من ليبيا إلى القوقاز، ومن البحر الأسود إلى سوريا، وصولاً إلى شرق المتوسط...
وثانيها:
أن أنقرة نجحت في بناء شبكة علاقات مع أطراف متناقضة في الوقت نفسه؛ فهي عضو في حلف الناتو، وتحافظ على علاقات مع روسيا، وتدير قنوات مع إيران، وتملك تأثيراً متزايداً في العالمين العربي والإسلامي...
هذه القدرة على الحركة بين الخصوم تجعل تركيا لاعباً يصعب احتواؤه أو عزله...
أما النقطة الأكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل، فهي الاتهامات المتكررة بامتلاك فيدان قنوات تواصل قوية مع إيران، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديداً مضاعفاً، لأنه يتيح لأنقرة فهم التوازنات الإيرانية والتأثير فيها، حتى وإن كانت المصالح التركية والإيرانية ليست متطابقة في كل الملفات. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الاتهامات تعكس التقييم الإسرائيلي، بينما تؤكد أنقرة أن علاقاتها مع طهران تندرج ضمن إدارة المصالح الإقليمية ولا تعني تحالفاً استراتيجياً كاملاً...
لكن القضية أعمق من إيران:
فإسرائيل تدرك أن النفوذ التركي يتوسع في الجغرافيا التي تعدها هي مجالاً حيوياً لأمنها القومي؛ في سوريا، وفي شرق المتوسط، وفي ملفات الطاقة، وحتى في التأثير داخل العالم السني...
ومع تراجع النفوذ الإيراني في بعض الساحات، وصعود تركيا كقوة إقليمية أكثر تنظيماً، بدأت مراكز التفكير الإسرائيلية تتحدث عن انتقال المنافسة الاستراتيجية من "إسرائيل مقابل إيران" إلى "إسرائيل مقابل تركيا".
هذا لا يعني أن مواجهة عسكرية مباشرة أصبحت وشيكة، لكنه يعني أن إسرائيل تعيد ترتيب أولوياتها الأمنية على أساس أن المنافس القادم قد يكون دولة تمتلك اقتصاداً كبيراً، وجيشاً يعد من أقوى جيوش الناتو، وصناعة دفاعية متطورة، ونفوذاً سياسياً يتوسع عاماً بعد آخر...
إن وصف أحد المحللين الإسرائيليين لهاكان فيدان بأنه "أخطر رجل على إسرائيل في المنطقة" لا ينبغي فهمه بوصفه مجرد توصيف إعلامي، بل باعتباره انعكاساً لعقل أمني يرى أن الخطر الحقيقي لا يصنعه أكثر السياسيين صخباً، وإنما أكثرهم قدرة على بناء القوة وإدارتها...
وفي النهاية، قد يختلف المراقبون حول صحة التقديرات الإسرائيلية أو حجمها، لكن المؤكد أن تركيا لم تعد بالنسبة لتل أبيب مجرد جار صعب المراس، بل منافس استراتيجي صاعد، وأن اسم هاكان فيدان بات يمثل في الحسابات الإسرائيلية عنواناً لمرحلة جديدة من التنافس الإقليمي، قد تكون أكثر تعقيداً وأطول أمداً من كل ما شهدته المنطقة خلال العقود الماضية.