الإرهاب المؤجل: قراءة في خريطة المتفجرات السورية وسيناريوهات الفوضى

Salah Kirata • ٧‏/٧‏/٢٠٢٦

54885.png

الإرهاب المؤجل: قراءة في خريطة المتفجرات السورية وسيناريوهات الفوضى

​لم يكن مستغرباً أن تستيقظ دمشق على دوي الانفجارات مجدداً، فالمدن التي تخرج من ليل الحروب الطويلة وعقود الاستبداد لا تتعافى بجرة قلم أو بتغيير سياسي مفاجئ. لكن تفكيك شفرة هذه الانفجارات وتحديد هوية الجناة يتطلب ما هو أكثر من مجرد توجيه أصابع الاتهام الجاهزة؛ إنه يتطلب تشريحاً لـ "أداة الجريمة" وأسلوب التنفيذ، ففي تفاصيل المتفجرات تكمن الهوية السياسية والأيديولوجية للفاعل.

​السلوك الانتحاري: فاتورة "الجهاد المعولم" وتمرد الغنائم

​عندما يكون التفجير انتحارياً، فإننا لا نكون أمام عمل عسكري تقليدي، بل أمام بصمة أيديولوجية واضحة وعلامة مسجلة لجماعات "متأسلمة" تنهل من ثقافة جهادية تكفيرية. هذا السلوك الانتحاري يختصر المسافات والتحليلات، ليوجه بوصلة الاتهام مباشرة نحو فصائل بعينها، وتحديداً تلك التي شاركت في "غرفة عمليات ردع العدوان" أو خرجت من رحمها، مع التركيز الأكبر على "المهاجرين" أو العناصر الأجنبية.

​هذه العناصر تشعر اليوم بـ "مظلومية جهادية" جديدة؛ فبينما تقف الحكومة الانتقالية تحت مقصلة الضغوط العربية والدولية التي تطالبها بتفكيك هذه البنى المتطرفة وتحجيم عابري الحدود، يرى هؤلاء المقاتلون الأجانب أنهم يُستبعدون من المشهد بعد أن وضعت الحرب أوزارها. وفقاً لثقافتهم، سورية بالنسبة لهم هي "غنيمة حرب"، وما دام "أبو محمد الجولاني" قد تحول إلى "أحمد الشرع" وارتقى إلى سدة رئاسة الجمهورية العربية السورية معترفاً بالدولة ومؤسساتها، فإن هؤلاء العناصر يرون أن لهم في قالب الحلوى السوري حصة لا تقل عن حصة قيادتهم السابقة. ومن هنا، يصبح الانتحار وتفجير الذات وسيلة لإرسال رسائل دموية للحكومة الجديدة: "إما الشراكة في الغنيمة، أو تفخيخ الاستقرار".

​العبوات المفخخة: رقصة الموت الأخيرة لـ "حثالات الأسد"

​على المقلب الآخر، تتغير القراءة تماماً عندما نسمع دوي عبوة ناسفة بدائية الصنع أو سيارة مفخخة مركونة. هنا، تفتح الاحتمالات أبوابها على مصراعيها، لكن السهم الأقوى يشير إلى ما كان يُعرف بـ "الفلول"، أو بتعبير أكثر دقة وعمقاً: حثالات (طائفة الأسد).

​وهنا يجب التأكيد على أن هذا التوصيف ينزع عن نفسه أي بعد ديني أو طائفي؛ فالحديث لا يستهدف طائفة دينية بعينها قدمت هي الأخرى أبناءها قرباناً لكرسي السلطة، بل يستهدف تلك "الشبكة المصلحية والمافيوية" التي نمت كالطفيليات على ضفاف النظام الساقط. هؤلاء الحثالات، من شبيحة، وقادة شبكات تهريب، وأمراء حرب محليين، فقدوا بامتياز سقوط النظام شبكات نفوذهم، ومصادر ثرائهم غير المشروع، وحصانتهم الأمنية. بالتالي، فإن لجوءهم إلى أسلوب العبوات المفخخة والاغتيالات الخفية هو محاولة بائسة لخلط الأوراق، وإثبات أن البديل عن النظام هو الفوضى، ومحاولة لابتزاز الحكومة الانتقالية لإيجاد تسويات تحمي مؤخراتهم المالية والأمنية.

​قراءة أمنية استشرافية: دمشق بين سندان الاختراق ومطرقة التطهير

​من منظور أمني موضوعي وشفاف، يمكن القول إن دمشق تعيش حالياً في "منطقة برزخية" أمنية شديدة الخطورة؛ حيث تلتقي مصالح المتناقضات (خلايا التطرف المتمردة وحثالات النظام البائد) عند هدف واحد: زعزعة شرعية العهد الجديد.

​أمنياً، تواجه الحكومة الانتقالية تحديين بنيويين:

  • أولاً: اختراق أمني واضح يعكس عدم اكتمال السيطرة على الملف الاستخباراتي، وصعوبة ضبط الخلايا النائمة وسط مدينة مكتظة ومركبة كدمشق.
  • ثانياً: معضلة "السلاح المنفلت" وسهولة الوصول إلى المواد المتفجرة التي تركتها سنوات الحرب خلفها في كل حدب وصوب.

​إن الرأي الأمني المجرد يفرض على أصحاب القرار في سورية الجديدة التوقف عن المعالجات الارتجالية وردود الأفعال. الاستقرار لن يتحقق بمجرد البيانات التنديدية، بل بـاستراتيجية هجومية مزدوجة: تفكيك ناعم وخشن لمعاقل الفصائل المتطرفة عبر سحب الغطاء العشائري والمحلي عنها وتجفيف منابع تمويلها، بالتوازي مع ضربة استباقية حاسمة لشبكات المافيا التابعة للنظام السابق، دون خوف من إثارة الحساسيات. إن التهاون في هذه المرحلة الانتقالية، أو محاولة استرضاء هذه الأطراف، سيجعل من العاصمة دمشق ساحة لتصفية الحسابات المؤجلة، وسيحول "انتصار التغيير" إلى رهينة بيد من يملكون أصابع التفجير.