كيف يُعاد بناء الثقة بين السوريين

Salah Kirata • ٧‏/٧‏/٢٠٢٦

54878.png


كيف يُعاد بناء الثقة بين السوريين؟

"الثقة لا تُستعاد بقرار، ولا تُفرض بقانون، بل تُبنى ببطء شديد كما تُبنى الجسور فوق فراغ طويل."

إذا كانت الحرب في جوهرها قد دمّرت الأبنية والبنى السياسية، فإن أكثر ما تضرر فعلياً هو عنصر غير مرئي لكنه حاسم: الثقة. تلك المادة غير المكتوبة التي تجعل الناس يصدقون بعضهم، ويصدقون الدولة، ويصدقون أن القواعد تنطبق على الجميع، وأن المستقبل ممكن ضمن إطار مشترك.

في الحالة السورية، لا تبدو أزمة الثقة مجرد أثر جانبي للحرب، بل نتيجة تراكم طويل من الشكوك المتبادلة، والاصطفافات، والخوف، وتجارب متكررة جعلت كل طرف يعيد حساباته تجاه الآخر، وتجاه الدولة، وتجاه المجتمع نفسه...

- لكن السؤال الأساسي ليس توصيف فقدان الثقة..
بل: 
- كيف يمكن إعادة بنائها؟..

أول :
ما يجب الاعتراف به هو أن الثقة لا تُستعاد عبر الخطاب وحده، فالشعارات الوطنية، مهما كانت صادقة، لا تكفي لإعادة بناء علاقة اجتماعية وسياسية مكسورة، لأن الثقة ليست فكرة تُقنع بها العقول، بل تجربة تُختبر في الواقع اليومي...

حين يشعر المواطن أن القانون يُطبق على الجميع، وأن الفرص ليست محكومة بالانتماء، وأن الكرامة الإنسانية مصونة بغض النظر عن الهوية، يبدأ الإحساس الأولي بالثقة بالتشكل من جديد، أما حين تتكرر التجارب المعاكسة، فإن أي خطاب عن الوحدة يصبح ضعيف الأثر مهما كان بليغاً...

ثاني :
 عناصر بناء الثقة هو إعادة الاعتبار للمجال المشترك. فالمجتمع المنقسم يفقد تدريجياً مساحاته الجامعة:
 المدرسة، الجامعة، الإعلام، والفضاء العام، وإعادة بناء الثقة تبدأ من استعادة هذه المساحات بوصفها أماكن يلتقي فيها الناس كأفراد، لا كممثلين لهويات متقابلة...

ثالثاً:
لا يمكن فصل الثقة عن العدالة، فغياب العدالة أو غموضها أو انتقائيتها يترك شعوراً دائماً بأن القواعد ليست واحدة للجميع. وهذا الشعور، حتى لو لم يُعلن، يبقى فاعلاً تحت السطح ويمنع تشكل أي عقد اجتماعي مستقر. لذلك فإن بناء الثقة يمر حتماً عبر مسار عدالة واضح وشفاف، حتى لو كان تدريجياً...

رابعاً:
هناك عنصر غالباً ما يُهمل، الذاكرة المشتركة، فالمجتمعات الخارجة من الصراعات تحتاج إلى طريقة للتعامل مع الماضي لا تقوم على الإنكار، ولا على التوظيف السياسي المستمر، بل على الاعتراف بأن الألم وُجد لدى أطراف متعددة، وأن الاعتراف بهذا الألم لا يعني تبرير أسبابه، بل يعني الاعتراف بالإنسان...

خامساً:
 لا يمكن بناء الثقة دون استقرار حدٍّ أدنى من الحياة اليومية، فالثقة لا تنشأ في الفراغ، بل في سياق يشعر فيه الناس أن حياتهم قابلة للتوقع: اقتصاد مستقر نسبياً، خدمات أساسية، تعليم، وأمن يومي لا يخضع للمزاج أو الاستثناء...

لكن العنصر الأكثر حساسية هو إعادة تعريف “الآخر”، فالثقة لا تعني فقط استعادة العلاقة بالمؤسسات، بل استعادة القدرة على رؤية المختلف كجزء من المجتمع، لا كتهديد دائم. وهذا التحول لا يحدث بقرار سياسي، بل عبر تراكم تجارب صغيرة تعيد تشكيل الصورة الذهنية ببطء.

إن إعادة بناء الثقة ليست مشروعاً سريعاً، ولا يمكن قياسها بسنوات قليلة، إنها عملية طويلة تشبه إعادة ترميم نسيج ممزق، حيث كل خيط يُعاد ربطه يحتاج إلى صبر، وإلى بيئة مناسبة، وإلى حد أدنى من الاستقرار...

وفي السياق السوري، تبدو هذه المهمة أكثر تعقيداً بسبب عمق الانقسام وتعدد التجارب وتداخل الذاكرة السياسية والاجتماعية، لكن رغم ذلك، فإن البديل عن محاولة بناء الثقة ليس الحياد، بل استمرار الانقسام بشكل دائم، وهو خيار لا ينتج سوى إعادة إنتاج الأزمة...

إن بناء الثقة لا يعني نسيان الماضي، ولا تجاهل الخلافات، بل إدارتها بطريقة تمنعها من التحول إلى قطيعة دائمة. إنه انتقال من منطق "الشك الدائم" إلى منطق "التحقق التدريجي"، ومن منطق "العداء المفترض" إلى منطق "إمكانية التعايش"...

وفي النهاية:
 يمكن القول إن الثقة ليست نقطة بداية، بل نقطة وصول. فهي لا تُمنح أولاً ثم تُبنى، بل تُبنى أولاً ثم تُشعر. ولذلك فإن الطريق نحو سوريا أكثر استقراراً لا يبدأ من إعلان المصالحة، بل من خلق الظروف التي تجعل المصالحة ممكنة فعلاً.