حين انتصرت السلطة على الدولة: قراءة في الجذور السياسية للمأساة السورية

Salah Kirata • ٦‏/٧‏/٢٠٢٦

54679.png

حين انتصرت السلطة على الدولة:                                    قراءة في الجذور السياسية للمأساة السورية.

يصعب فهم المأساة السورية إذا بدأنا الحكاية من عام 2011، فذلك العام لم يكن بداية الأزمة بقدر ما كان لحظة انفجارها، أما جذورها، فقد تشكلت على امتداد عقود، حين تراجعت الدولة بوصفها مؤسسة عامة، وتقدمت السلطة بوصفها غاية قائمة بذاتها، ومن هنا، فإن اختزال ما جرى في ثنائية "ثورة" أو "مؤامرة" لا يكفي لفهم الكارثة، لأن هذه السرديات تتناول النتائج أكثر مما تفسر الأسباب...

جوهر القضية يكمن في العلاقة بين الدولة والسلطة، فالدولة، في معناها الحديث، تقوم على مؤسسات وقواعد دستورية تضمن استمرارها بغض النظر عن الأشخاص، بينما تتحول السلطة إلى أداة لإدارة هذه المؤسسات لا إلى بديل عنها، لكن عندما تُختزل الدولة في النظام، ويُختزل النظام في شخص، يصبح أي تهديد للحاكم تهديدًا للدولة نفسها، وتضيق مساحة السياسة إلى الحد الذي يصبح فيه التغيير السلمي شبه مستحيل...

لقد أدى هذا المسار، عبر سنوات طويلة، إلى إضعاف المؤسسات التي يُفترض أن تمتص الأزمات وتديرها، فقد تراجعت فاعلية الحياة السياسية، وانكمش دور المؤسسات الرقابية، وتقلصت مساحات المشاركة، بينما توسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية في إدارة الشأن العام، وهكذا أصبحت أدوات الدولة أكثر قدرة على فرض الاستقرار بالقوة، وأقل قدرة على إنتاج توافق سياسي يعالج أسباب التوتر قبل أن يتحول إلى صدام...

وحين اندلعت الاحتجاجات، وجدت السلطة نفسها أمام أزمة لم تعد تمتلك الأدوات السياسية الكافية لإدارتها، فالدولة التي اعتادت معالجة الخلافات بمنطق أمني تجد صعوبة في الانتقال فجأة إلى منطق الحوار والتسوية، خصوصًا عندما يُنظر إلى أي تنازل سياسي باعتباره تهديدًا لبنية الحكم لا خطوة لحماية الوطن...

في تلك اللحظة برزت المعضلة الكبرى، هل تكون الأولوية للحفاظ على الدولة، أم للحفاظ على شكل السلطة القائم؟ في الأنظمة التي تتمتع بمؤسسات مستقلة، لا يكون هذا السؤال وجوديًا؛ إذ تستطيع الدولة أن تغير الحكومات أو تعدل الدساتير أو تجري انتخابات مبكرة دون أن ينهار كيانها، أما حين تتماهى الدولة مع السلطة، فإن أي إصلاح يبدو وكأنه بداية النهاية...

من هنا يمكن فهم كيف أُغلقت أبواب السياسة تدريجيًا، واتسعت مساحة المواجهة، فكلما تقلصت فرص الحل السياسي، ازداد حضور السلاح، وكلما غابت المؤسسات القادرة على الوساطة، وجدت القوى الداخلية والخارجية مساحة أوسع للتدخل. ولم يعد الصراع شأنًا سوريًا خالصًا، بل تحول إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، فيما دفعت الدولة والمجتمع الثمن الأكبر...

لا يعني ذلك أن العوامل الخارجية لم تؤثر، أو أن المعارضة لم ترتكب أخطاء جسيمة، أو أن الجماعات المتطرفة لم تسهم في تعقيد المشهد، فجميع هذه العناصر كانت حاضرة، وأسهمت بدرجات متفاوتة في تعميق المأساة، غير أن التدخلات الخارجية والانقسامات الداخلية لا تنشأ في فراغ، وإنما تجد فرصتها عندما تعجز البنية السياسية عن استيعاب الأزمات وإنتاج حلول وطنية لها...

والتاريخ يقدم شواهد كثيرة على أن الدول قد تواجه احتجاجات أو أزمات حادة، لكنها تنجو عندما تمتلك مؤسسات مرنة تسمح بالتفاوض والإصلاح وتبادل السلطة، أما عندما تُغلق جميع منافذ السياسة، فإن الأزمة تنتقل غالبًا إلى الشارع، ثم إلى السلاح، ثم إلى دوامة يصعب التحكم بمآلاتها...

ولعل السؤال الأكثر أهمية اليوم ليس: - من كان على حق؟..
 بل: 
- هل كان بالإمكان تقليل حجم الكارثة؟..

لا يستطيع أحد أن يجزم بما كان سيحدث لو اتُّخذت قرارات مختلفة، لكن من المشروع القول إن توسيع المجال السياسي، وإطلاق إصلاحات ذات مصداقية، وفتح قنوات تفاوض مبكرة، كانت خيارات كان يمكن أن تمنح البلاد فرصة أفضل لتجنب الانزلاق إلى حرب بهذا الحجم. ليس لأنها كانت تضمن النجاح، بل لأنها كانت تبقي السياسة حاضرة بوصفها وسيلة لإدارة الخلاف، قبل أن يصبح السلاح اللغة الوحيدة...
اجمالاً:
لقد دفعت سورية ثمنًا باهظًا، مئات الآلاف من الضحايا، وملايين النازحين واللاجئين، ودمار واسع طال المدن والبنية التحتية، واقتصاد تعرض لخسائر عميقة، ونسيج اجتماعي أصابه شرخ كبير. وهذه النتائج لا يمكن ردها إلى سبب واحد، لكنها تكشف أن كلفة غياب السياسة كانت أفدح بكثير من كلفة أي إصلاح كان يمكن أن يُطرح في بداية الأزمة...

والدرس الذي تقدمه التجربة السورية يتجاوز حدود سورية نفسها، فاستقرار الدول لا يتحقق فقط بقدرتها على فرض الأمن، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية، واحترام الدستور، وفتح المجال للمشاركة السياسية، بحيث لا يصبح مصير الوطن معلقًا ببقاء شخص أو مجموعة محدودة في السلطة. فالدولة القوية هي التي تستطيع أن تتغير من الداخل دون أن تنهار، وأن تستبدل الحكومات دون أن تستبدل الوطن...

ولذلك، فإن السؤال الأخلاقي والسياسي الذي تطرحه التجربة السورية سيبقى حاضرًا في أي نقاش جاد حول مستقبل الدول: 
- ماذا يحدث عندما تصبح حماية السلطة هدفًا يتقدم على حماية الدولة؟..

ربما تختلف الإجابات باختلاف المواقف السياسية، لكن الوقائع تكشف أن الأوطان تصبح أكثر هشاشة عندما تُختزل في حكامها، وأكثر قدرة على الصمود عندما تستند إلى مؤسساتها. وهذه، في جوهرها، هي الرسالة التي تتركها المأساة السورية للأجيال القادمة: إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرة السلطة على البقاء، بل بقدرة الوطن على الاستمرار، مهما تغيرت الحكومات وتعاقب الحكام.