
سورية أمام مفهوم جديد للأمن :
حين يتحدث رجل أمضى عقوداً كان العمل في سياقاته الأمنية جزء من عمله، قد يظن البعض أنه سيدعو إلى مزيد من الإجراءات والتشدد، لكن التجربة الطويلة تقود إلى نتيجة مختلفة؛ فالأمن الحقيقي لا يُقاس بعدد الحواجز أو حجم القوة، بل بمدى شعور المواطن بأنه يعيش في دولة تحكمها المؤسسات، ويصونها القانون، وتحمي حقوق الجميع...
لقد تغيّر العالم، وتغيّر معه الإرهاب، فلم يعد مجرد مجموعات مسلحة تتحرك في مناطق نائية، بل أصبح ظاهرة عابرة للحدود تستثمر التكنولوجيا، والإعلام، والفضاء الرقمي، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لتقويض استقرار الدول وإضعاف ثقة المواطنين بمؤسساتهم...
إن أخطر ما قد تقع فيه أي دولة هو أن تستعد لحروب الأمس بينما تواجه تحديات الغد:
دفعت سورية خلال سنوات الحرب ثمناً باهظاً، وقدمت تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب، واليوم، ومع بدء مرحلة جديدة، لم يعد السؤال كيف ننتصر على الإرهاب فحسب، بل كيف نحمي الاستقرار ونمنع عودة الفوضى بأشكال مختلفة...
في تقديري، لا يكمن الجواب في الإجراءات الأمنية وحدها، وإنما في بناء مفهوم حديث للأمن يقوم على التكامل بين مؤسسات الدولة كافة، فالأمن لا تصنعه الأجهزة الأمنية وحدها، بل تشارك في صناعته المدرسة والجامعة، والإعلام المسؤول، والقضاء العادل، والاقتصاد القادر على توفير فرص الحياة الكريمة، إلى جانب مؤسسات الدولة التي تعزز سيادة القانون...
لقد أثبتت التجارب أن الجماعات المتطرفة تتكيف سريعاً مع المتغيرات، وتنتقل من المواجهة المباشرة إلى استغلال وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر الشائعات، وتأجيج الانقسامات، ومحاولة زعزعة الثقة بالدولة. ولهذا فإن بناء وعي مجتمعي متماسك أصبح خط الدفاع الأول في مواجهة التطرف، إلى جانب الأداء المهني للمؤسسات المختصة...
ومن واقع خبرتي، فإن المؤسسة الأمنية الناجحة ليست تلك التي يشعر المواطن بثقل حضورها، بل تلك التي يلمس أثرها في الاستقرار والطمأنينة واحترام القانون، فكلما ارتفعت المهنية والكفاءة، ازداد الأمن رسوخاً، وتراجعت الحاجة إلى الإجراءات الاستثنائية...
ولا يقل العنصر البشري أهمية عن أي تطور تقني. فالكفاءة، والانضباط، والنزاهة، والتدريب المستمر، واحترام القانون، هي الركائز التي تقوم عليها المؤسسات القوية والقادرة على مواكبة التحولات المتسارعة...
وفي الوقت ذاته، لا يمكن فصل الأمن عن التنمية، فكل مدرسة تُبنى، وكل فرصة عمل تُوفر، وكل مؤسسة عدلية تعمل بكفاءة، تمثل استثماراً مباشراً في الأمن الوطني، لأنها تضيق المساحات التي تتسلل منها الأفكار المتطرفة...
إن سورية تمتلك اليوم فرصة حقيقية للانتقال من إدارة الأزمات إلى ترسيخ الاستقرار، وهذه الفرصة تتطلب مؤسسات قوية، وعدالة فاعلة، وثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع. فالأمن وسيادة القانون ليسا مسارين متوازيين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة؛ إذ لا أمن مستدام من دون عدالة، ولا عدالة فاعلة من دون أمن...
لقد علمتني سنوات الخدمة أن الأوطان لا تُحمى بالخوف، بل بالثقة، ولا تُبنى بالقوة وحدها، بل بالمؤسسات. وعندما يشعر المواطن بأن الدولة تحترم حقوقه وتطبق القانون بعدالة، يصبح هو نفسه شريكاً في حماية وطنه والدفاع عن استقراره..
إن الأمن الذي تستحقه سورية في المرحلة المقبلة هو أمن الدولة القوية بمؤسساتها، والعادلة بقوانينها، والواثقة بشعبها. ذلك هو الطريق الأقصر نحو استقرار دائم، وتنمية حقيقية، ومستقبل يليق بتضحيات السوريين جميعاً.