
ماكرون في دمشق:
ولادة معادلة جديدة بين الشرعية والإعمار.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليست زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق ولقاؤه بالرئيس أحمد الشرع مجرد محطة دبلوماسية عابرة في سجل العلاقات بين البلدين، بل يمكن النظر إليها بوصفها لحظة مفصلية تؤشر إلى انتقال الملف السوري من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة إدارة الدولة...
فبعد سنوات طويلة كانت سوريا خلالها ساحةً للصراعات الإقليمية والدولية، يبدو أن العواصم الكبرى بدأت تتعامل مع دمشق باعتبارها شريكاً لا يمكن تجاوزه في رسم التوازنات الجديدة في المشرق العربي، ومن هنا تكتسب الزيارة أهميتها الاستثنائية؛ فهي لا تعكس فقط رغبة فرنسية في العودة إلى سورية، بل تعكس أيضاً اعترافاً غربياً متدرجاً بأن الحقائق الجديدة على الأرض فرضت نفسها على الجميع...
إن فرنسا تدرك أن شرق المتوسط يشهد إعادة تشكيل واسعة لموازين القوى، وأن الغياب الطويل عن دمشق سمح لقوى إقليمية ودولية أخرى بملء الفراغ، لذلك تأتي زيارة ماكرون في إطار محاولة استعادة موقع فرنسي تقليدي في المنطقة، ليس عبر الأدوات العسكرية أو السياسية التقليدية، بل من خلال بوابة الاقتصاد والاستثمار وإعادة الإعمار...
في المقابل:
تنظر دمشق إلى فرنسا باعتبارها أكثر من دولة أوروبية مؤثرة؛ فهي مفتاح مهم داخل الاتحاد الأوروبي، وقادرة على لعب دور الوسيط بين سورية والمؤسسات المالية والاقتصادية الغربية، ولذلك فإن استقبال ماكرون في قصر الشعب لا يحمل بعداً بروتوكولياً فحسب، بل يحمل رسالة سياسية واضحة مفادها أن سوريو الجديدة تسعى إلى تحويل الاعتراف السياسي إلى شراكات اقتصادية وتنموية طويلة الأمد...
لكن البعد الأكثر أهمية في هذا اللقاء يكمن في ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية الاقتصادية"، فإعادة إعمار سورية لم تعد قضية هندسية أو مالية فقط، بل أصبحت مشروعاً سياسياً واستراتيجياً يهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع عودة الفوضى. ومن هذا المنطلق، فإن الشركات الفرنسية التي ترافق الرئيس الفرنسي لا تبحث عن عقود تجارية فحسب، بل عن موطئ قدم في عملية إعادة تشكيل الاقتصاد السوري لعقود قادمة...
وفي هذا السياق:
يبدو أن الطرفين يقتربان من صيغة تفاهم غير معلنة يمكن اختصارها بمعادلة بسيطة، مزيد من الانفتاح السياسي والإداري من جانب دمشق، يقابله مزيد من الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي الأوروبي، وهي معادلة لا تتعلق فقط بالعقوبات أو الاستثمارات، بل بموقع سوريا المستقبلي داخل النظام الإقليمي الجديد...
كما أن للزيارة بعداً أمنياً لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، ففرنسا، شأنها شأن بقية الدول الأوروبية، تنظر إلى استقرار سورية باعتباره جزءاً من أمن أوروبا نفسها، فملفات الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، وشبكات الجريمة العابرة للحدود، جميعها تبدأ أو تنتهي عند سؤال الاستقرار السوري، لذلك فإن الاستثمار في استقرار دمشق بالنسبة لباريس ليس عملاً خيرياً أو سياسياً فحسب، بل استثمار مباشر في الأمن الأوروبي...
ومن زاوية أوسع، فإن لقاء ماكرون والشرع يبعث برسالة إلى القوى الإقليمية والدولية مفادها أن سورية عادت تدريجياً إلى مركز التفاعلات السياسية في الشرق الأوسط، فبعد سنوات كانت فيها دمشق موضوعاً للنقاش الدولي، أصبحت اليوم طرفاً في صياغة الترتيبات الجديدة، وهو تحول استراتيجي بالغ الدلالة...
إن ما يجري اليوم لا يمثل مجرد عودة للعلاقات الفرنسية السورية، بل يؤشر إلى بداية مرحلة جديدة عنوانها الانتقال من منطق الصراع إلى منطق المصالح، ومن منطق العزلة إلى منطق الشراكة، ومن منطق إدارة الحرب إلى منطق بناء الدولة...
ولهذا، فإن زيارة ماكرون إلى دمشق قد تُسجل مستقبلاً بوصفها أكثر من زيارة لرئيس دولة غربية؛ فقد تكون نقطة الانطلاق الفعلية لمسار إعادة دمج سورية في الاقتصاد والسياسة الدوليين، وافتتاح مرحلة جديدة من تاريخ المنطقة عنوانها:
الاستقرار مقابل التنمية، والسيادة مقابل الشراكة، والإعمار بوصفه جسراً نحو المستقبل.