
الطليعة المقاتلة في سورية:
كيف خسر الجميع وربح الاستبداد؟.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
عندما يُستعاد الحديث عن الصدام الذي شهدته سورية بين أواخر سبعينيات القرن الماضي وبدايات الثمانينيات، غالباً ما يُختزل المشهد في روايتين متقابلتين؛ الأولى ترى في الطليعة المقاتلة حركة مقاومة إسلامية نشأت لمواجهة نظام استبدادي أغلق أبواب السياسة، والثانية تقدمها باعتبارها تنظيماً إرهابياً طائفياً مسؤولاً عن جر البلاد إلى دوامة من العنف والدمار. غير أن التاريخ، في العادة، أكثر تعقيداً من الروايات المتقابلة، وأكثر ظلماً للذين يحاولون اختزاله في الأبيض والأسود...
فـ"الطليعة المقاتلة" لم تنشأ من فراغ، كما أن النظام الذي واجهها لم يكن مجرد ضحية بريئة لهجماتها، وبين الطرفين تشكلت واحدة من أكثر المآسي السياسية تأثيراً في تاريخ سورية الحديث، مأساة لم تنته بسقوط تنظيم أو بانتصار سلطة، بل انتهت بإعادة تشكيل الدولة والمجتمع على أسس تركت آثارها لعقود طويلة وما تزال حاضرة حتى اليوم...
لقد ولدت الطليعة المقاتلة من رحم أزمة سياسية عميقة عاشتها سورية منذ وصول حزب البعث للسلطة عام 1963، فمنذ ذلك التاريخ بدأ المجال السياسي السوري ينغلق تدريجياً أمام مختلف القوى السياسية، الإسلامية منها والقومية واليسارية على حد سواء، لا رغبة من الحزب بهذا، بل رفض الجماعات الإسلامية للحزب وفكره وربما تكفيرا لمبادئه وقيادته، فقد ربطت بعض الجماعات الاشتراكية بالعلمانية، وربطت الأخيرة بالشيوعية وخلصت لفتوى أن حزب البعث العربي الاشتراكي حزب مارق وان أعضاءه كفار، وعلى مبدأ الفعل ورد الفعل أُعلنت حكومة البعث حالة الطوارئ، واتسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وتراجع دور المؤسسات السياسية التقليدية لصالح سلطة الحزب الواحد والدولة الأمنية الصاعدة...
في تلك البيئة نشأ جيل جديد من الإسلاميين السوريين لم يعد مقتنعاً بجدوى العمل الدعوي التقليدي أو المشاركة السياسية المحدودة، وكان هذا الجيل يتأثر في الوقت نفسه بموجة فكرية عارمة اجتاحت العالم العربي بعد إعدام سيد قطب في مصر عام 1966 لم تكن أفكار قطب مجرد نصوص دينية أو سياسية، بل تحولت لدى كثير من الشباب إلى رؤية شاملة تعتبر أن الأنظمة القائمة قد فقدت شرعيتها، وأن التغيير لم يعد ممكناً عبر الوسائل السلمية أو الإصلاح التدريجي...
في هذه الفترة برز اسم مروان حديد، فقد كان أكثر من مجرد داعية أو ناشط سياسي، لقد كان يمثل نموذجاً لجيل شعر بأن السياسة التقليدية وصلت إلى طريق مسدود، فقد عاد من مصر متأثراً بالأفكار الحركية الجديدة، وبدأ في بناء شبكات تنظيمية بين الشباب المتدينين في حماة ومدن أخرى، وبمرور الوقت أخذت تتشكل حوله نواة فكرية وتنظيمية مختلفة عن الخط التقليدي لجماعة الإخوان المسلمين...
في تلك المرحلة لم يكن الخلاف مجرد خلاف تنظيمي، بل كان خلافاً حول طبيعة التغيير نفسه، فقد كانت قيادة الإخوان المسلمين التقليدية ترى أن الصراع مع السلطة يجب أن يبقى في إطار العمل السياسي والاجتماعي والدعوي، بينما كان مروان حديد وأتباعه يعتقدون أن النظام أغلق كل أبواب العمل السلمي، وأن اللجوء إلى القوة أصبح ضرورة لا خياراً...
وعندما توفي مروان حديد في سجن المزة عام 1976، تحول في نظر أتباعه إلى رمز وشهيد، ومن بين أنقاض تلك التجربة بدأت تتبلور بصورة أوضح البنية التنظيمية لما سيُعرف لاحقاً باسم "الطليعة المقاتلة"...
لكن اختزال الطليعة في مجموعة من القادة أو في بضعة بيانات أيديولوجية لا يكفي لفهمها، فالتنظيم استند إلى بيئة اجتماعية حقيقية، فقد ضمت صفوفه طلاباً جامعيين وأطباء ومهندسين ومدرسين وشباباً من الطبقة الوسطى المحافظة، كما استند إلى حواضن اجتماعية في حماة وحلب وبعض أحياء دمشق، ولذلك فإن تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد مؤامرة تنظيمية أو نزوة أيديولوجية يتجاهل حقيقة أن آلاف السوريين كانوا يشعرون آنذاك بأن المجال السياسي قد أُغلق بالكامل أمامهم...
ومع ذلك، فإن هذا الواقع لم يلغ حقيقة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الطليعة المقاتلة اختارت منذ وقت مبكر طريقاً قادها إلى مأزق تاريخي خطير...
فبدلاً من بناء حركة سياسية جماهيرية واسعة قادرة على استقطاب مختلف فئات المجتمع، اتجهت نحو العمل السري المسلح، وبدلاً من تحويل الصراع إلى معركة من أجل الحريات السياسية وحقوق المواطنين، أخذت العمليات العسكرية والاغتيالات تدفع المواجهة تدريجياً نحو منطق أمني وطائفي بالغ الخطورة...
ولعل أكثر الأحداث تعبيراً عن هذا التحول كانت عملية مدرسة المدفعية في حلب عام 1979، التي شكلت نقطة الانفجار الكبرى في الصراع، وبصرف النظر عن الخلافات المتعلقة بعدد الضحايا أو بعض التفاصيل التنفيذية، فقد كان الأثر السياسي للعملية واضحاً وحاسماً؛ إذ انتقل الصراع بعدها من مستوى المواجهة السياسية المتوترة إلى مستوى الحرب المفتوحة...
ومنذ ذلك الوقت دخلت البلاد في دوامة من العنف المتبادل، اغتيالات وتفجيرات وهجمات مسلحة من جهة، واعتقالات واسعة ومحاكم استثنائية وإجراءات أمنية متصاعدة من جهة أخرى، ومع كل جولة من جولات الصراع كانت المسافة تتسع أكثر بين المجتمع والدولة، ويتراجع حضور السياسة لحساب السلاح...
غير أن الخطأ الأكبر الذي وقعت فيه الطليعة لم يكن في حمل السلاح وحده، بل في سوء تقديرها لطبيعة المجتمع السوري وطبيعة الدولة التي تواجهها...
فبعض العمليات التي استهدفت شخصيات أو مجموعات على خلفيات طائفية، أو فُهمت شعبياً على هذا النحو، منحت النظام فرصة تاريخية نادرة، إذ استطاعت السلطة أن تقدم نفسها بوصفها الحامي للأقليات والمدافع عن الاستقرار الوطني في مواجهة تهديد وجودي. وبدلاً من عزل النظام، ساهمت هذه العمليات في إعادة رص صفوف قطاعات واسعة من الجيش والأجهزة الأمنية حوله...
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في تاريخ الطليعة المقاتلة:
فالتنظيم الذي رفع شعار إسقاط النظام ساهم، من حيث لا يريد، في تعزيز قدرته على البقاء...
لقد وفرت أعمال الطليعة للسلطة المبرر السياسي والأمني الذي احتاجته لتوسيع قبضتها على المجتمع، وأصبح من السهل ربط أي معارضة سياسية بخطر "الإرهاب"، وتحت هذا العنوان لم تُستهدف التنظيمات الإسلامية المسلحة وحدها، بل طالت الإجراءات الأمنية النقابات المهنية والجامعات والمثقفين واليساريين والقوميين والناشطين المدنيين...
ومع صدور القانون رقم 49 لعام 1980، الذي جعل مجرد الانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين جريمة يعاقب عليها بالإعدام، دخلت سورية مرحلة جديدة من تاريخها السياسي، مرحلة لم يعد فيها التمييز ممكناً بين المعارض السلمي والمقاتل المسلح...
في المقابل:
فإن تحميل الطليعة وحدها مسؤولية المأساة السورية خلال تلك المرحلة يمثل تبسيطاً آخر لا يقل خطورة عن الروايات التبريرية...
فالأنظمة لا تواجه الأزمات السياسية دائماً بالطريقة نفسها، وكان بإمكان السلطة أن تميز بين العمل المسلح وبين قطاعات واسعة من المجتمع المعارض. وكان بإمكانها أن تبحث عن حلول سياسية أو إصلاحات تخفف الاحتقان المتراكم، لكنها اختارت، بدورها، منطق الحسم الأمني الشامل...
ومن هنا فإن المأساة السورية في تلك السنوات لم تكن نتاج عنف طرف واحد، بل نتيجة تفاعل بين راديكالية المعارضة المسلحة وراديكالية الدولة الأمنية، وكلما تصاعد عنف أحد الطرفين منح الآخر الذريعة لتوسيع عنفه...
وعندما وصلت المواجهة إلى حماة عام 1982 كانت البلاد قد تجاوزت بالفعل نقطة اللاعودة...
- فما جرى هناك لم يكن مجرد معركة عسكرية ضد تمرد مسلح، كما لم يكن مجرد انتفاضة شعبية ضد السلطة...
بل :
كان تتويجاً لمسار طويل من الاستقطاب والعنف المتبادل وسوء الحسابات السياسية، وكانت النتيجة النهائية كارثية على الجميع؛ انتهى الوجود المنظم للطليعة المقاتلة تقريباً، وترسخت الدولة الأمنية بصورة غير مسبوقة، ودفع المجتمع السوري أثماناً بشرية وسياسية هائلة...
لكن النهاية العسكرية للطليعة لم تكن نهاية تأثيرها:
فقد بقيت تجربتها حاضرة في الوعي السوري باعتبارها نموذجاً مبكراً للمواجهة بين الإسلام السياسي المسلح والدولة السلطوية، وظلت الأسئلة التي أثارتها مفتوحة لعقود:
- هل كان العمل المسلح نتيجة حتمية لإغلاق المجال السياسي؟...
- أم أنه كان خطأ استراتيجياً أدى إلى تدمير فرص التغيير السلمي؟..
- هل كانت الطليعة سبباً في تعزيز الاستبداد أم نتيجة له؟..
- وهل كان يمكن لسورية أن تسلك مساراً مختلفاً لو اختار كل طرف طريقاً آخر؟..
بصراحة:
لا توجد إجابات سهلة على هذه الأسئلة، لكن ما يبدو مؤكداً بعد مرور عقود هو أن جميع الأطراف خسرت تلك المواجهة...
فقد:
- خسرت الطليعة مشروعها وأفرادها وقواعدها الاجتماعية...
- وخسرت المعارضة السورية فرصاً تاريخية لبناء حركة سياسية وطنية جامعة...
- وخسر المجتمع السوري مساحات الحرية المحدودة التي كانت لا تزال قائمة...
- وحتى الدولة نفسها، رغم انتصارها العسكري والسياسي، دفعت ثمناً باهظاً حين أعادت بناء شرعيتها على الخوف والأجهزة الأمنية أكثر مما أعادت بناءها على المشاركة السياسية والرضا الشعبي...
لذلك فإن الدرس الأهم الذي تقدمه تجربة الطليعة المقاتلة لا يتعلق بالإسلاميين وحدهم ولا بالنظام السوري وحده، بل يتعلق بمصير المجتمعات عندما تُغلق السياسة أبوابها. فعندما يصبح السلاح بديلاً عن السياسة، ويصبح الأمن بديلاً عن الشرعية، لا ينتصر أحد حقاً، قد يهزم طرف خصمه في الميدان، لكن المجتمع كله يخرج من المعركة أقل حرية وأكثر انقساماً وأشد هشاشة...
وهكذا، فإن القصة الحقيقية للطليعة المقاتلة ليست قصة تنظيم مسلح فحسب، بل قصة وطن دخل في صراع بين الاستبداد والراديكالية، فانتهى الأمر بانتصار القوة على السياسة، وبخسارة الجميع تقريباً، فيما كان المستفيد الأكبر هو منطق الدولة الأمنية الذي حكم سورية لعقود تالية...
أخيراً:
الرابح الوحيد من كل ماحدث رغم ما فندته اعلاه كان حافظ الأسد، الذي استثمر فيما حدث من جرائم ارتكبتها الطليعة الإسلامية بإحكام قبضته على سورية حزبا و نظاما وشعبا ودولة، واتجه على رؤوس الأشهاد ليورث الحكم في أي من أولاده ولو كان معاقا عقليا أو مضطرب نفسيا كما المنغولي الذي حكم سورية ربع قرن وقد نفذ ما هدد به منذ بداية الأحداث حين صمت على ما رفع من شاعر وهو ( الأسد أو نحرق البلد ) فقد اوصل سورية إلى ما وصلت إليه من موت ودمار وخراب ديار، وقامت إسرائيل بالقضاء المبرم على ما تبقى من عتاد عسكري يمكن أن يساهم في مواجهتها وهي تقتطع عشرات الكيلومترات من جغرافيا جنوب سورية، ولم يترك (للثورة الإسلامية السورية) إلا بعض من سلاح فردي يصلح لأن يقتل السوريون بعضهم لبعض به تبعا لدوافع ثأرية قاعدتها جهادية وسلوكها خطاب حقد وترهات تاريخية .