--:--
#عاجل | مقر خاتم الأنبياء: نعتبر وجود وتحركات الطائرات العسكرية الإسرائيلية في أجواء بعض الدول المجاورة تهديدا لإيران أدرجت السلطات السورية عبد الله الأحمر وأفراداً من عائلته ضمن قوائم الحجز على الأموال والمنع من السفر. وتشمل القوائم شخصيات حزبية سابقة ضمن إجراءات يُقال إنها تُحدّث دورياً وتثير جدلاً واسعاً حول طابعه #عاجل | أكسيوس عن مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين: نتوقع الإعلان اليوم عن اتفاق إطاري بين إسرائيل ولبنان

رماد على عباءة بردى

Salah Kirata • ٢٦‏/٦‏/٢٠٢٦

51528.png


رماد على عباءة بردى :

لم تكن الرياح التي هبّت على قرية "نوى" في عمق حوران عام 1932 مجرد نسمات ريفية عابرة، بل كانت نذيراً بولادة طفل كُتب عليه أن يعيش في قلب العواصف التي ستعيد تشكيل وجه الشام. هناك، بين حقول القمح الممتدة والصخور البازلتية الصلبة، نشأ أحمد سويداني. رضَع من تراب تلك الأرض عنادها وكبرياءها، وتشرّب في مضافات حوران حكايات الثورة ضد المستعمر الفرنسي، فتشكّل وعيه مبكراً على أن الوطن ليس مجرد جغرافيا، بل كرامة تُنتزع بالقوة...
عندما شبّ أحمد، كان يبحث عن مسار يجمع فيه بين الفكر الذي يغير المجتمع والسلاح الذي يحميه، وجد في حزب البعث العربي الاشتراكي ضالته؛ كانت شعارات الوحدة والحرية والاشتراكية تلامس شغاف قلبه الريفي الحالم بعدالة مفقودة، ولم يطُل به المقام حتى قاده طموحه إلى مصنع الرجال، الكلية العسكرية في حمص، هناك، خلع عباءة الريف وارتدى بدلة الميدان، ليتخرج ضابطاً متميزاً في سلاح الإشارة، جامعاً بين انضباط العسكري وعقائدية الحزبي...
دارت عجلة التاريخ سريعاً، ووجد سويداني نفسه في الستينيات واحداً من أعمدة "اللجنة العسكرية" السرية التي كانت تحرك خيوط القدر السوري من خلف الستار، وفي صبيحة الثامن من آذار عام 1963، انطلق الرفاق ليعلنوا عهداً جديداً، ومع صعود البعث إلى السلطة، سُلِّمت إلى أحمد سويداني أخطر مفاتيح الدولة:

                            "الشعبة الثانية"

والتي عرفت لاحقا بشعبة المخابرات العسكرية...
في مكاتبه المظلمة والمحاطة بالسرية، كان سويداني يرقب كل شاردة وواردة، تحول الرجل إلى درع النظام الحريص، وكان قمة صعوده الأمني حين تمكن، بيقظته وحسه الاستخباراتي العالي، من تفكيك أخطر شبكات التجسس في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، معتقلاً الجاسوس الشهير إيلي كوهين في قلب دمشق عام 1965، هذا الإنجاز رفعه إلى مصاف الأبطال القوميين داخل أروقة الحزب والجيش...

لكن السلطة في دمشق كانت كرمال متحركة، لم يكد يستقر الصراع بين الجناحين المدني والعسكري للحزب حتى انحاز سويداني في حركة 23 شباط 1966 إلى رفاق السلاح؛ صلاح جديد وحافظ الأسد، ليُكافأ على ولائه ودوره الحاسم بتعيينه رئيساً لأركان الجيش والقوات المسلحة السورية، وعليه فقد غدا الفتى الحوراني على رأس الهرم العسكري، لكن القمة كانت عاصفة وباردة...
ثم جاء حزيران 1967، وانكسر الحلم في ثوانٍ معدودات، وسقط الجولان، ومعه سقطت هيبة الشعارات، وقف رئيس الأركان وسط الغبار والدموع يتأمل الهزيمة، لم يكن أحمد سويداني رجلاً يسهل قياده أو يرتضي أن يكون كبش فداء؛ بدأت الأسئلة الصعبة تدور في رأسه، وارتفع صوته داخل الاجتماعات المغلقة منتقداً التكتلات والتصفيات الرفاقية على أسس غير مهنية، داعياً إلى حرب تحرير شعبية لرد الشرف المسلوب...
هذا الصوت العالي، والصراحة الحورانية الحادة، مصحوبة بنفوذه الواسع بين ضباط البيئة السنية والريفية، جعلت منه رقماً مقلقاً في حسابات شركاء الأمس، وتحديداً وزير الدفاع حافظ الأسد والرجل القوي صلاح جديد، شعر القطبان أن سويداني يمثل عقبة أمام توازنات القوى الجديدة، فبدأت خيوط الإقصاء تُغزل حوله بهدوء، في مطلع عام 1968، أُزيح من رئاسة الأركان، وحُددت إقامته، ليدرك الضابط المحنك أن اللعبة قد انتهت، وأن دمشق التي حماها بالأمس لم تعد آمنة له...

غادر سويداني سراً إلى بغداد، باحثاً عن متنفس أو قاعدة يعيد منها ترتيب أوراقه مع خصوم دمشق من البعثيين العراقيين، لكن الشوق والسياسة والتخطيط لشيء ما جعلوه يركب الطائرة مجدداً في تموز من عام 1969، كانت الطائرة التابعة للخطوط الجوية العراقية تحلق في السماء، متجهة نحو القاهرة، وكان سويداني يجلس في مقعده شارد الذهن، لا يعلم أن العيون التي دربها بنفسه في الشعبة الثانية كانت تلاحق أنفاسه عبر الأجواء.
فجأة، تغير مسار الرحلة، تحت ذرائع فنية ملاحية وضعها بدهاء مهندسو المخابرات السورية، أُجبرت الطائرة على الهبوط الاضطراري في مطار دمشق الدولي، لم تكد العجلات تلامس المدرج وتتوقف الطائرة، حتى اقتحمت قوة أمنية خاصة مدججة بالسلاح مقصورة الركاب، سار الضباط بخطى واثقة نحو مقعده، نظر إليهم سويداني، عرف وجوههم وبدلاتهم، وعرف المصير الذي ينتظره، لم يبدِ مقاومة تُذكر؛ وبرباطة جأش عسكري قديم، قام من مقعده واقتيد غصباً بين أيديهم، وسط ذهول الركاب، ليختفي خلف زجاج السيارات المصفحة التي انطلقت نهباً للريح نحو العاصمة...
كانت الوجهة "سجن المزة العسكري"، القلعة الرابضة على تلة تشرف على دمشق، المكان الذي يدخله من يغضب عليه رفاق العقيدة، في زنزانة ضيقة، انغلق الباب الحديدي الثقيل خلف اللواء أحمد سويداني، لتبدأ أطول رحلة صمت في حياته.
مرت الفصول، وتغيرت الوجوه، وقامت "الحركة التصحيحية" عام 1970 لتثبّت حافظ الأسد على عرش البلاد، ولحقت برئيس الأركان السابق وجوه أخرى من رفاقه القدامى كصلاح جديد ونور الدين الأتاسي، ربع قرن كامل، خمس وعشرون سنة بطولها وعرضها، وأحمد سويداني يقتات على الذكريات ومرارة الخذلان داخل جدران المزة الباردة. كان يرفض الانحناء أو تقديم صكوك الولاء مقابل الحرية، معتبراً أن كرامته العسكرية أغلى من فضاء خارجي مشروط بالذل...
ولم يخرج أحمد سويداني إلى النور إلا في عام 1994، جسداً أتعبته السنون وأنهكه المرض، وشيخاً تجاوز الستين من عمره، عاد إلى بلدته "نوى"، ليقضي ما تبقى له من أيام في التأمل وصيد الذكريات، بعيداً عن صخب السياسة ودماء الانقلابات، حتى أسلم الروح لبارئها عام 1997، دُفن في التراب الحوراني نفسه الذي نبت منه، تاركاً خلفه قصة رجل عاش ومات تحت وطأة الصراع الشرس بين المبدأ والكرسي، في غابة السياسة العربية المعاصرة.