
حين انتصرت السلالة على الجمهورية:
بعد ستة وعشرين عاماً على رحيل حافظ الأسد، لا يزال حضوره في المشهد السوري يتجاوز حدود التاريخ. فالرجل لم يترك وراءه مجرد نظام حكم، بل ترك بنية سياسية صُممت لتبقى بعده، حتى أصبح غيابه الجسدي أقل أثراً من حضوره في مؤسسات الدولة وآلياتها.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً هو :
- ماذا لو اختار حافظ الأسد أن يورث الدولة لمؤسساتها، لا السلطة لعائلته؟:
ليس المقصود محاكمة رجل حكم سورية ثلاثة عقود، ولا إنكار مكانته كلاعب إقليمي مؤثر، وإنما البحث عن اللحظة التي انكسر فيها المسار الجمهوري، وتحولت الدولة من مؤسسة يفترض أن تحكمها القوانين إلى سلطة تحكمها الوراثة...
منذ الحركة التصحيحية عام 1970، نجح الأسد في بناء نظام شديد المركزية، تدور فيه الدولة حول شخص الحاكم لا حول مؤسساتها. تراجعت السياسة، وضعفت الأحزاب، وتحولت مؤسسات الجيش والدولة إلى أدوات تنفيذ، بينما أصبح القرار الحقيقي محصوراً في دائرة ضيقة تدين بالولاء للرئيس وحده...
وعندما اقتربت نهاية عهده، لم تُترك مسألة الخلافة لآليات الدولة، بل بدأ إعداد باسل الأسد وريثاً سياسياً، في رسالة واضحة بأن السلطة أصبحت شأناً عائلياً، وبعد وفاة باسل عام 1994، لم يتغير المشروع، وإنما تغير الاسم؛ فاستُدعي بشار الأسد، وأُعيد ترتيب مؤسسات الدولة لتسهيل انتقال الحكم إليه، حتى عُدّل الدستور خلال دقائق بعد وفاة والده، في مشهد مثّل إعلاناً عملياً بانتصار السلالة على الجمهورية...
وهنا تكمن الخطيئة السياسية الكبرى، فالدول تُقاس بقدرتها على تنظيم انتقال السلطة، لا بقدرة الحاكم على احتكارها. ولو تُركت المؤسسات الدستورية لتدير تلك المرحلة، لربما دخلت سورية في صراعات سياسية معقدة، لكنها كانت ستحصل، ولو للمرة الأولى، على فرصة لاختبار معنى الدولة بعيداً عن إرادة الفرد...
إن أخطر ما في التوريث ليس شخص الحاكم، بل الفكرة التي يؤسس لها؛ فكرة أن الوطن يمكن أن يتحول إلى إرث عائلي، وأن ملايين المواطنين لا يملكون حق المشاركة في تقرير مستقبل بلادهم. عندها تفقد الجمهورية معناها، ويغدو الدستور مجرد أداة بيد السلطة، لا مرجعاً لها...
ولا شك أن إرث حافظ الأسد سيظل محل نقاش طويل؛ من هزيمة حزيران والبلاغ العسكري رقم 66، إلى بناء الدولة الأمنية وإقصاء شركائه في حزب البعث. غير أن القرار الذي ترك الأثر الأعمق لم يكن قرار حرب أو سلام، بل قرار تحويل انتقال السلطة من استحقاق دستوري إلى ميراث عائلي...
ختاما:
ربما يختلف المؤرخون في تقييم حافظ الأسد، لكنهم سيصعب أن يختلفوا على حقيقة واحدة: أن توريث السلطة غيّر طبيعة الدولة السورية أكثر من أي قرار آخر اتخذه في حياته...
ففي تلك اللحظة، لم يُعدّل الدستور فحسب، بل تبدلت هوية الجمهورية نفسها، ومنذ ذلك اليوم، لم يعد السوريون يدفعون ثمن سياسات رجل رحل، بل ثمن الفكرة التي زرعها في بنية الحكم: أن الدولة يمكن أن تُختزل في عائلة، وأن الوطن قد يتحول إلى إرث...
ومنذ أن انتصرت السلالة على الجمهورية... لم تستعد سورية جمهوريتها حتى اليوم.