بين ضرورات الأمن وغموض الخلافة... غياب مجتبى خامنئي يفتح باب الأسئلة

Salah Kirata • ٣‏/٧‏/٢٠٢٦

53841.jpg


بين ضرورات الأمن وغموض الخلافة...                 غياب مجتبى خامنئي يفتح باب الأسئلة:

قراءة في أسباب غياب مجتبى خامنئي مرشد الثورة الإسلامية ايران عن مراسم تشييع مرشدها السابق والده ...

في اللحظات التي تعيد رسم خرائط السلطة، لا يكون الغياب حدثًا عابرًا، بل يتحول إلى رسالة سياسية، سواء كان مقصودًا أو فرضته الظروف. ومن هذا المنطلق، لم يُنظر إلى غياب مجتبى خامنئي عن مراسم تشييع ودفن والده، المرشد الإيراني علي خامنئي، بوصفه تفصيلًا بروتوكوليًا، وإنما باعتباره مؤشرًا استثنائيًا أثار موجة واسعة من التساؤلات داخل إيران وخارجها، وأعاد فتح النقاش حول طبيعة المرحلة المقبلة وآليات إدارة الانتقال داخل النظام الإيراني.

ومع غياب أي توضيح رسمي، انطلقت التحليلات في اتجاهات متعددة...
- القراءة الأولى:
 وهي الأقرب إلى منطق الدولة الأمنية، ترى أن اختفاء مجتبى عن الأنظار جاء في إطار ترتيبات أمنية بالغة الحساسية فرضتها طبيعة الظرف الاستثنائي. فالرجل، الذي يُنظر إليه منذ سنوات باعتباره أحد أكثر الشخصيات نفوذًا داخل المؤسسة الحاكمة، قد يكون خاضعًا لإجراءات حماية غير مسبوقة، خصوصًا في ظل ما تعتبره طهران بيئة إقليمية ودولية مليئة بالتهديدات ومحاولات استهداف رموز النظام...

وبحسب هذا التصور، فإن الظهور العلني في مناسبة جماهيرية بهذا الحجم قد يفتح نافذة لمخاطر لا ترغب الأجهزة الأمنية في تحملها، ما يجعل الغياب خيارًا أمنيًا أكثر منه قرارًا شخصيًا، حتى وإن تعلق الأمر بوداع والده في واحدة من أكثر اللحظات حساسية في تاريخ الجمهورية الإسلامية...

- في المقابل، برزت قراءات أخرى أكثر تشككًا، استند بعضها إلى ما تداولته وسائل إعلام معارضة، من بينها "إيران إنترناشيونال"، والتي طرحت فرضيات تتراوح بين تعرضه لإصابة أو أزمة صحية حالت دون مشاركته، وبين وجود تهديدات أمنية مباشرة دفعت إلى عزله بالكامل عن المشهد العام، ورغم أن هذه الفرضيات لم تستند إلى أدلة رسمية، فإن استمرار الغموض منحها مساحة واسعة للتداول والنقاش...

غير أن العنصر الأكثر إثارة للاهتمام لم يكن الغياب عن مراسم التشييع بحد ذاته، بل الانقطاع الكامل عن المشهد الإعلامي، فلا صور حديثة، ولا تسجيلات مصورة، ولا حتى رسالة تعزية مكتوبة أو صوتية، وهو أمر غير مألوف بالنسبة لشخصية تحيط بها كل هذه الأهمية السياسية. وقد ساهم هذا الصمت المطلق في توسيع دائرة التكهنات، وفتح الباب أمام تفسيرات تتجاوز الاعتبارات الأمنية إلى تساؤلات تتعلق بطبيعة الترتيبات الجارية داخل هرم السلطة...

وفي الأنظمة التي تتسم بقدر كبير من السرية، غالبًا ما يصبح غياب المعلومة مصدرًا لإنتاج عشرات الروايات المتنافسة، إذ تملأ الشائعات الفراغ الذي يتركه الصمت الرسمي، لذلك، لم يعد السؤال مقتصرًا على سبب غياب مجتبى خامنئي عن مراسم التشييع، بل امتد ليشمل ما إذا كان هذا الغياب يعكس مجرد تدبير أمني مؤقت، أم أنه يرتبط بترتيبات سياسية أعمق تتعلق بمرحلة ما بعد علي خامنئي...

وحتى تصدر رواية رسمية موثقة، سيبقى هذا الغياب أحد أكثر المشاهد غموضًا في المشهد الإيراني، وعنوانًا لمرحلة تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع تعقيدات الخلافة، في وقت تراقب فيه الأوساط السياسية داخل إيران وخارجها كل تفصيل، إدراكًا منها أن التفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تكشف التحولات الكبرى.