معمارية الاستبداد السوري: هل كان الطغيان خياراً بنيوياً أم رد فعل

Salah Kirata • ٤‏/٧‏/٢٠٢٦

54047.png


معمارية الاستبداد السوري:
 هل كان الطغيان خياراً بنيوياً أم رد فعل؟.

تنطلق القراءات التقليدية لتاريخ سورية المعاصر من فرضية أن النظام الأمن الفولاذي لحافظ الأسد لم يكن سوى مرآة عكست عيوب البنية الاجتماعية السورية من جهة، واستجابة اضطرارية قاسية لمواجهة العنف المسلح في أواخر السبعينيات من جهة أخرى، ورغم واقعية هذه الرؤية، إلا أنها تختزل المشهد في "أعراض الأزمة" وتغفل "طبيعة التكوين البنيوي" للنظام، فالأصل في تحليل الأنظمة ليس رصد ردود أفعالها أثناء الأزمات، بل قراءة المعمار الذي تشيده في لحظات الاستقرار...
 أولاً:
 الهندسة الاستباقية قبل دويّ الرصاص
إذا ما تتبعنا الكرونولوجيا السياسية بعد "الحركة التصحيحية" عام 1970، نجد أن مشروع تفكيك الدولة التقليدية وبناء المنظومة الشمولية قد اكتمل قبل صعود "الطليعة المقاتلة" أو اندلاع أي صدام مسلح بسنوات...
فقد تجلى هذا الخيار الواعي في إعادة صياغة عقيدة الجيش والامتيازات الأمنية لترتبط بالولاء الشخصي للرئيس، تفتيت النفوذ بين أجهزة استخباراتية متنافسة لمنع ظهور أي مركز قوى مستقل، وتحجيم النقابات والجامعات مع تحويل "الجبهة الوطنية التقدمية" إلى ديكور سياسي شكلي، لو كان الطغيان مجرد رد فعل على الإرهاب، لظهرت هذه الهندسة الأمنية بعد الأزمة لا قبلها...
 ثانياً: 
مأسسة العيوب لا استثمارها
إن القول بأن النظام بنى على أنماط سلوكية مجتمعية دنيئة يتجاهل أن وظيفة الدولة الحديثة هي كبح هذه الظواهر (كالزبائنية والعصبية الطائفية أو العشائرية) عبر القانون والمواطنة، ففي الحالة السورية، لم يكتفِ النظام باستثمار هذه الولاءات الأولية، بل قام بـ "مأسستها وتجذيرها" كشرط أساسي للترقي الوظيفي والعسكري والاجتماعي. لقد أعاد النظام إنتاج أسوأ ما في المجتمع بصورة نسقية ليضمن بها ولاءً أعمى، فكان صانعاً للثقافة الجديدة لا مجرد مستثمر فيها...
ثالثاً:
 معضلة البقاء بعد زوال التهديد
المحك الحاسم الذي يفند أطروحة "الاضطرار الأمني المؤقت" هو سلوك النظام بعد الحسم العسكري الكامل في مطلع الثمانينيات والقضاء التام على الجماعات المسلحة. لو كان الاستبداد إجراءً استثنائياً تمليه خطورة الظرف، لشهدت البلاد انفراجاً سياسياً أو تقليصاً لتغول المخابرات بعد استتباب الأمن لعقود. ما حدث كان العكس تماماً؛ إذ تحول "الأمن" من وسيلة لحماية الدولة إلى غاية بحد ذاته لتأبيد حكم الفرد، وتحولت الإجراءات المؤقتة إلى بنية دائمة...
الخلاصة:
 إن إدانة إرهاب الجماعات المسلحة ومسؤوليتها عن تأجيج الصراع لا تعني تبرئة فلسفة النظام الشمولية، فالكثير من الدول واجهت تمرداً عنيفاً دون أن تصهر الدولة والمجتمع في بوتقة مخابراتية واحدة...

إذ لم يكن نظام حافظ الأسد انعكاساً سلبياً لواقع معقد، بل مشروعاً سياسياً متكاملاً صُمم منذ بدايته ليكون الأمن فيه فوق القانون، والولاء الشخصي أهم من المواطنة، وبقاء الكيان الوطني بأسره مرتهناً بوجود الحاكم.