
العدالة الانتقالية…
بين الحاجة إلى الإنصاف وخطر إعادة إنتاج الانقسام.
"في المجتمعات الخارجة من الحرب، لا يكون السؤال:
- هل نريد العدالة؟..
بل:
- أي عدالة يمكن أن تمنع الحرب من العودة؟"
بقلمي :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
تبدو العدالة، في ظاهرها، قيمة بديهية لا خلاف عليها، فمن الصعب الاعتراض على فكرة إنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإعادة الاعتبار للكرامة الإنسانية التي تضررت خلال سنوات الحرب. لكن التجربة التاريخية للمجتمعات الخارجة من الصراعات الكبرى تُظهر أن العدالة، رغم ضرورتها الأخلاقية، يمكن أن تتحول في بعض السياقات إلى مصدر توتر جديد إذا لم تُفهم وتُدار ضمن إطار شامل ومتوازن...
في الحالة السورية، تصبح هذه الإشكالية أكثر تعقيداً، لأن حجم الجراح واسع، وتعدد روايات الألم عميق، والتداخل بين السياسي والأمني والاجتماعي شديد التشابك،وفي مثل هذا السياق، لا يمكن التعامل مع العدالة بوصفها إجراءً قانونياً فقط، بل بوصفها عملية اجتماعية وسياسية وأخلاقية طويلة الأمد...
أول تحدٍ تواجهه العدالة الانتقالية هو التوازن بين الإنصاف ومنع الانتقام. فالضحايا يطالبون بحقوقهم، وهذا مطلب مشروع ومفهوم، لكن تحويل هذا المطلب إلى منطق شامل للثأر يمكن أن يعيد إنتاج دائرة العنف نفسها التي يُراد إنهاؤها، وهنا تظهر الحاجة إلى فصل دقيق بين العدالة بوصفها محاسبة قانونية منضبطة، وبين الانتقام بوصفه استجابة انفعالية جماعية...
التحدي الثاني يتمثل في تعدد سرديات الألم. فالمجتمعات الخارجة من الحروب تمتلك غالباً روايات متوازية للمعاناة، حيث يرى كل طرف نفسه ضحية بدرجات مختلفة، وفي غياب سردية وطنية جامعة تعترف بالألم الإنساني دون احتكاره أو تسييسه، يصبح بناء أرضية مشتركة للعدالة أمراً شديد الصعوبة...
أما التحدي الثالث فهو ضعف المؤسسات القادرة على إدارة العدالة، فالعدالة الانتقالية لا يمكن أن تُدار في فراغ مؤسسي، بل تحتاج إلى أجهزة قضائية مستقلة، وإطار قانوني واضح، وبيئة سياسية تسمح بعمل هذه المؤسسات دون ضغط أو تدخل. وفي غياب هذه الشروط، تتحول العدالة إلى شعار أكثر منها ممارسة فعلية...
ويضاف إلى ذلك في الحالة السورية عامل رابع بالغ الحساسية وهو :
تشابك العدالة مع إعادة بناء الدولة نفسها، فالمؤسسات التي يُفترض أن تدير العدالة هي نفسها جزء من بنية تضررت أو أعيد تشكيلها خلال سنوات الصراع، ما يجعل الفصل بين مسار العدالة ومسار إعادة بناء الدولة أكثر تعقيداً...
إن أحد الأخطاء الشائعة في تجارب ما بعد الحروب هو الاعتقاد بأن العدالة لحظة واحدة: محاكمات، قوانين، قرارات، ثم إغلاق للملف. لكن التجارب المقارنة تشير إلى أن العدالة الانتقالية هي مسار طويل، يقوم على التوازن بين الحقيقة والمصالحة، بين الذاكرة والاستقرار، وبين المحاسبة ومنع الانهيار الاجتماعي...
في هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط:
- من يُحاسب؟..
بل أيضاً:
- كيف نحافظ على النسيج الاجتماعي أثناء المحاسبة؟..
- وكيف نمنع أن تتحول العدالة إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام؟..
إن تجاهل هذه الأسئلة قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة: تحويل العدالة من أداة لإغلاق جراح الماضي إلى أداة لفتح جراح جديدة. وفي هذه الحالة، يصبح المجتمع عالقاً بين ذاكرة مؤلمة وحاضر هش، دون قدرة على الانتقال إلى مستقبل مستقر...
لكن في المقابل:
فإن تجاهل العدالة أو تأجيلها بشكل دائم يحمل خطراً لا يقل خطورة، لأنه يترك شعور الظلم دون معالجة، ويحوّل الألم غير المعترف به إلى طاقة كامنة قابلة للانفجار في أي لحظة مستقبلية. وهكذا تتشكل معادلة صعبة: إما عدالة غير محسوبة تعمّق الانقسام، أو غياب للعدالة يُبقي الجرح مفتوحاً...
إن الحل لا يكمن في أحد الطرفين، بل في بناء مقاربة متوازنة تقوم على الاعتراف بالضحايا، وتوثيق الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين ضمن إطار قانوني عادل، وفي الوقت نفسه حماية السلم الأهلي ومنع الانزلاق إلى منطق الانتقام الجماعي...
كما أن العدالة الانتقالية لا تقتصر على القضاء، بل تشمل أيضاً إعادة بناء الذاكرة الجماعية عبر التعليم والإعلام والاعتراف الرسمي بالانتهاكات، وفتح المجال أمام روايات متعددة للألم الإنساني دون احتكار أو إنكار...
في النهاية:
فإن العدالة في المجتمعات الخارجة من الحرب ليست نقيضاً للاستقرار، بل جزء منه. لكنها ليست بديلاً عنه أيضاً. والتحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات العدالة وضرورات الاستقرار، دون التضحية بأي منهما...
إن مستقبل سورية، في هذا السياق، سيتوقف إلى حد كبير على الإجابة عن سؤال بالغ الحساسية: كيف يمكن إنصاف الماضي دون أن نفقد المستقبل فرصته في الولادة؟.