
فيصل القاسم وظاهرة :
"الاتجاه المعاكس"...
حين يصبح الإعلام لاعباً في صناعة التاريخ.
لا أنكر أن العلاقة التي كانت قد جمعني بالدكتور فيصل القاسم كانت إشكالية، لأننا كنا على طرفي نقيض فأنا لم أكن أؤدي دورا مرسوم، وهو لم يكن يقول حينما يقول كمدير للبرنامج خارج قناعاته، إلا كان وبعيدا عن الهواء شخصا لبقا مضيافا كريما محترما؛ بمعنى أن علاقتي به لم تكن مجرد علاقة ضيف بمقدم برنامج فحسب، بل علاقة صاغتها عشرات الساعات من النقاشات الحادة والمواجهات الفكرية والسياسية، فقد استضافني في برنامج الاتجاه المعاكس ست عشرة مرة خلال نحو ثلاث سنوات، وهو رقم أعتقد أنه يكاد يكون غير مسبوق بين ضيوف البرنامج، بصرف النظر عن الفترة الزمنية التي جرت فيها تلك اللقاءات، ومن هنا، فإن ما سأقوله ليس شهادة من بعيد، ولا تصفية حساب، ولا مديحاً مجانياً، وإنما محاولة لقراءة تجربة إعلامية أصبحت جزءاً من التاريخ السياسي العربي...
لقد كان الاتجاه المعاكس ظاهرة إعلامية حقيقية، اختلفنا معه كثيراً، واتفقنا معه قليلاً، لكن أحداً لا يستطيع أن ينكر أنه غيّر قواعد اللعبة في الإعلام العربي، فقد نقل الحوار السياسي من لغة البيانات الرسمية إلى لغة الصدام المفتوح، وكسر كثيراً من المحرمات التي كانت تحيط بالنقاش العام، وأدخل ملايين العرب إلى فضاء سياسي لم يكونوا يألفونه من قبل...
غير أن المشكلة لم تكن في البرنامج وحده، ولا في مقدمه وحده، بل في اللحظة التاريخية التي جاء فيها، فالإعلام لا يصنع التاريخ منفرداً، لكنه يستطيع أن يسرّع إيقاعه، وأن يضخم تناقضاته، وأن يحوّل الخلافات السياسية إلى استقطابات اجتماعية، ثم إلى انقسامات طائفية أو عرقية أو عشائرية عندما تتوافر البيئة المناسبة لذلك...
ومع اندلاع ما سُمّي بـ"الربيع العربي"، بدا وكأن الشاشة لم تعد تنقل الحدث، بل أصبحت جزءاً منه، وتحولت بعض المنابر الإعلامية، بقصد أو بغير قصد، إلى أحد عناصر الصراع نفسه، واليوم، وبعد أكثر من عقد ونصف، لم يعد السؤال:
- من كان محقاً ومن كان مخطئاً؟..
بل:
- ماذا كانت الحصيلة النهائية على الدول والشعوب؟..
فالواقع الذي نراه اليوم يفرض علينا مراجعة هادئة بعيداً عن الشعارات، فما جرى في تونس ومصر يختلف جذرياً عما جرى في ليبيا واليمن وسورية، حيث تحولت الاحتجاجات إلى حروب أهلية مفتوحة، وتشابكت فيها المصالح الإقليمية والدولية، حتى بات من الصعب الفصل بين ما هو داخلي وما هو خارجي، وبين مطالب الإصلاح ومشاريع إعادة تشكيل المنطقة...
ولعل أكثر المفارقات قسوة أن أحداً، قبل سنوات قليلة، لم يكن يتخيل أن تنظيماً ينتمي إلى المدرسة التي خرجت منها القاعدة، المسؤولة عن هجمات الحادي عشر من أيلول، سيصل عبر تحولات معقدة في الأسماء والبنى والتنظيمات إلى موقع السلطة في دمشق، سواء اتفق الناس مع هذا الواقع أو اختلفوا حول توصيفه، فإنه يبقى حقيقة سياسية تستحق التأمل، لأنها تكشف حجم التحولات التي شهدتها المنطقة، وكيف يمكن للتاريخ أن يسلك مسارات لم تكن تخطر على بال أكثر المحللين جرأة...
أما فيصل القاسم نفسه، فقد بدا وكأنه دخل مرحلة مختلفة، فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، ثم الحرب في غزة، ثم المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، تغيرت أولويات شبكة الجزيرة، حيث أصبحت التغطيات الإخبارية المباشرة تستحوذ على معظم الجهد والوقت، وتراجع حضور البرامج الحوارية التقليدية، حتى إن الإعلان عن إطلاق "الجزيرة 2" لاستيعاب تلك البرامج لم يغيّر من الواقع كثيراً، وبقي "الاتجاه المعاكس" غائباً عن المشهد.
لكن غياب البرنامج لا يعني غياب أثره، فالبرامج، مثل الكتب، قد تتوقف، أما آثارها فتبقى قابلة للدراسة لعقود طويلة...
وأذكر أن الدكتور فيصل أخبرني، في آخر لقاء جمعني به في الدوحة، أنه كان ضمن الثلاثين الأوائل عالمياً بين مقدمي البرامج السياسية، وفق أحد التصنيفات الدولية آنذاك، وقد يكون هذا الإنجاز الشخصي مهماً، لكنه في رأيي أقل أهمية من السؤال الأكبر:
- ما الأثر الذي تركته هذه التجربة في الوعي العربي؟..
إنني أعتقد أن الباحثين في الإعلام والعلوم السياسية سيجدون أنفسهم، عاجلاً أم آجلاً، أمام ضرورة إخضاع تجربة الجزيرة، وبرنامج الاتجاه المعاكس، وشخصية فيصل القاسم تحديداً، لدراسة علمية محايدة، بعيدة عن الخصومة وبعيدة عن التمجيد، دراسة تبحث في حدود تأثير الإعلام حين يتحول من ناقل للأحداث إلى أحد الفاعلين فيها، وحين يصبح قادراً على إعادة تشكيل المزاج العام، وربما التأثير في مصائر دول بأكملها...
ولعل الإنصاف يقتضي أن نقول إن فيصل القاسم لم يكن وحده من صنع تلك المرحلة، كما أنه لا يجوز تحميله وحده نتائجها، لكنه، بلا شك، كان أحد أبرز وجوهها وأكثرها تأثيراً، والتاريخ، حين يكتب بعيداً عن الانفعال، لن يتوقف عند الأشخاص بقدر ما سيتوقف عند الظواهر، وسيبقى يسأل: - إلى أي مدى يستطيع الإعلام أن يغيّر مسار الأمم؟..
- وأين ينتهي حقه في مساءلة السلطة، وأين يبدأ خطر تحوله إلى لاعب في قلب الصراع؟..
ذلك سؤال ما زال مفتوحاً، وربما لن نجد إجابته الكاملة إلا بعد أن يهدأ غبار السنوات، وتبدأ الأجيال القادمة بقراءة تلك المرحلة بعين الباحث لا بعين المقاتل.