
أوروبا تعبر نقطة اللاعودة:
الحرب الأوكرانية تدخل مرحلة الحسم الاستراتيجي.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية
لم تعد الحرب الروسية الأوكرانية مجرد مواجهة على خطوط التماس في شرق أوروبا، بل تحولت إلى صراع يعيد رسم خرائط الأمن الدولي وموازين القوى في القارة الأوروبية، فالمعركة اليوم لا تُحسم بعدد الكيلومترات التي يسيطر عليها هذا الطرف أو ذاك، بل بقدرة كل منهما على الصمود في حرب استنزاف طويلة، عنوانها المسيّرات والصواريخ والاقتصاد بقدر ما هي الدبابات والمدافع.
فروسيا تواصل تكثيف ضرباتها على البنية التحتية الأوكرانية وخاصة منها العسكرية أو تلك التي تساهم في تقديم شكلا من أشكال الدعم اللوجيستي للجيش الأوكراني في مسعى لاضعافه بالتوازي مع إضعاف الجبهة الداخلية، فيما تنقل كييف المعركة إلى العمق الروسي عبر هجمات متزايدة على منشآت الطاقة والقواعد العسكرية، من خلال المسيرات والصواريخ البالستية، وبين كرّ وفرّ، لا يزال الجمود يسيطر على الجبهات، بينما تستنزف الحرب قدرات الطرفين دون تحقيق اختراق حاسم، وهذا لايعني أنه لايوجد ديناميكية تكتيكية وخاصة من الجانب الروسي، لكن في مقابل هذا هناك جنود استراتيجي.
لكن التحول الأبرز لا يحدث في الميدان، بل في بروكسل، فقد انتقل الاتحاد الأوروبي من سياسة دعم أوكرانيا إلى استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى دمجها اقتصادياً وعسكرياً بالمنظومة الأوروبية، عبر تمويلات ضخمة، وعقوبات أشد على موسكو، وتسريع مسار انضمام كييف إلى الاتحاد، بالتوازي مع تعزيز الدفاعات على الجبهة الشرقية بالتنسيق مع حلف الناتو...
في المقابل:
تراهن موسكو على عامل الزمن، معتقدة أن استمرار الحرب سيُنهك أوكرانيا ويُرهق الغرب سياسياً واقتصادياً، ويدفعه في النهاية إلى القبول بتسوية تكرّس الوقائع التي فرضتها القوة العسكرية...
المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب لا تقترب من نهايتها، بل تدخل مرحلة أكثر تعقيداً، فالتنافس يتجه نحو التفوق في التكنولوجيا العسكرية، والحرب الإلكترونية، والقدرة على تحمّل الاستنزاف الاقتصادي، فيما يبدو أن أوروبا قد حسمت خيارها الاستراتيجي: احتواء روسيا لعقود مقبلة، لا الاكتفاء بردعها مؤقتاً...
وعليه:
فإن الأشهر المقبلة قد لا تشهد نهاية للحرب، بل بداية مرحلة جديدة أكثر اتساعاً، يصبح فيها مستقبل الأمن الأوروبي والنظام الدولي رهينة لنتائج هذه المواجهة المفتوحة، التي لن تحدد مصير أوكرانيا وحدها، بل شكل التوازنات العالمية في السنوات القادمة،
لقد تجاوزت الحرب الروسية الأوكرانية حدود الجغرافيا منذ زمن، وأصبحت معركة على شكل النظام الدولي القادم، فما يجري اليوم ليس صراعاً على أوكرانيا وحدها، بل اختباراً لإرادة روسيا، ووحدة أوروبا، وقدرة الغرب على حماية النظام الذي نشأ بعد الحرب الباردة، أما المنتصر الحقيقي، فلن يكون من يسيطر على مدينة إضافية، بل من يفرض قواعد اللعبة في العالم الذي سيولد بعد انتهاء هذه الحرب.