
ظلال إدلب في قصر المهاجرين:
ماذا رأت فرنسا في سورية الجديدة؟.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم تكن زيارة الرئيس الفرنسي إلى دمشق مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل جاءت بمثابة معاينة مباشرة لسورية التي تشكلت بعد سقوط نظام الأسد، فبعد سنوات طويلة من القطيعة، دخلت باريس إلى قصر الشعب لتجد بلداً يختلف في ملامحه وموازين قواه عمّا عرفته طوال العقود الماضية، حيث يجلس أحمد الشرع اليوم على رأس السلطة، بعد رحلة استثنائية انتقل خلالها من قيادة فصائل إسلامية مسلحة إلى قيادة الدولة، مستنداً إلى مزيج من البراغماتية السياسية والسعي الحثيث لانتزاع الشرعية الإقليمية والدولية...
أبرز ما يلفت الانتباه في المشهد الجديد أن النخبة التي أدارت مناطق الشمال السوري خلال سنوات الحرب أصبحت اليوم تدير مؤسسات الدولة المركزية، فالكثير من الوجوه التي كانت تنتمي إلى العمل العسكري أو الإداري في إدلب ومحيطها انتقلت إلى الوزارات والأجهزة الرسمية، في مشهد يعكس انتقال السلطة أكثر مما يعكس تبدلها...
ومع أن الفصائل العسكرية حُلّت شكلياً، فإن كوادرها البشرية أعيد دمجها داخل مؤسسات الدولة، في الوقت الذي اضطرت فيه السلطة الجديدة إلى الإبقاء على عدد من موظفي الدولة السابقين للاستفادة من خبراتهم الإدارية والمالية، وهو ما خلق صيغة انتقالية تجمع بين كوادر الثورة وموظفي الدولة القديمة لتفادي انهيار الجهاز الحكومي...
عموماً:
خارج القصور، تبدو دمشق مدينة تحمل تناقضات المرحلة الانتقالية، فقد استعاد السوريون مساحة أوسع للتعبير عن آرائهم السياسية والاقتصادية بعد عقود من الخوف، إلا أن هذا الانفتاح يترافق مع تحديات أمنية لا تزال تلقي بظلالها على العاصمة...
فالانتشار الأمني الكثيف، والطائرات المسيّرة التي ترافق تحركات كبار المسؤولين، والتهديدات المستمرة من التنظيمات المتطرفة، كلها تعكس أن الاستقرار لم يتحول بعد إلى حقيقة راسخة، وفي الوقت ذاته، ما تزال الأزمة المعيشية ومعظم ما يتعلق بالخدمات والبنية التحتية شاهدة على حجم الإرث الثقيل الذي خلفته سنوات الحرب...
كما تبدو التحولات الاجتماعية أكثر هدوءاً من أن تُرصد في البيانات الرسمية؛ إذ تتغير أنماط الحياة تدريجياً، وتبرز ملامح محافظة في بعض البيئات، مقابل استمرار التنوع الاجتماعي الذي عُرفت به العاصمة لعقود طويلة...
الملاحظ:
أنه حتى داخل قصر الرئاسة، لا تزال عقلية الحذر الأمني حاضرة بقوة، فدوائر الثقة الضيقة التي رافقت الشرع خلال سنوات الحرب ما زالت تشكل الحلقة الأقرب إليه، سواء في الحماية الشخصية أو في إدارة التفاصيل اليومية، في انعكاس واضح لسنوات طويلة عاشها الرجل في بيئة يغلب عليها هاجس الاغتيال والاستهداف...
قناعاتي :
أن التحدي الحقيقي لا يكمن الالتفاف عليه أو القضاء عليه فقط من خلال الإجراءات الأمنية، بل في مدى القدرة على إدارة دولة أنهكتها الحرب، فسورية تحتاج إلى إعادة إعمار هائلة، وإصلاح اقتصادي عميق، واستعادة ثقة المستثمرين، في وقت لا تزال فيه العقوبات والضغوط المالية والاصطفافات الإقليمية تحد من قدرة الحكومة على تحقيق إنجازات سريعة...
اجمالاً:
تدرك العواصم الغربية، وفي مقدمتها باريس، أن التعامل مع دمشق الجديدة أصبح ضرورة سياسية أكثر منه خياراً، غير أن هذا الانفتاح لا يعني منح السلطة الجديدة شيكاً على بياض، بل يعكس محاولة لاختبار سلوكها الفعلي وقدرتها على التحول من سلطة نشأت في ظروف الحرب إلى دولة تحكم بمنطق المؤسسات والقانون...
ألا ان السؤال الجوهري يبقي:
- هل تمثل البراغماتية التي يظهرها أحمد الشرع تحولاً فكرياً وسياسياً حقيقياً، أم أنها أداة فرضتها ضرورات المرحلة ومتطلبات كسر العزلة الدولية؟..
الإجابة لن تقدمها الخطابات ولا اللقاءات الدبلوماسية، وإنما سيحسمها أداء الدولة خلال السنوات المقبلة...
اخيراً:
في السياسة لا يكفي الحكم على النوايا، كما لا يجوز الارتهان للماضي وحده، فالدول تُقاس بما تفعله لا بما كانت عليه، كما أن التحولات الكبرى كثيراً ما تبدأ ببراغماتية قبل أن تتحول إلى نهج دائم، أو تنقلب إلى مجرد مرحلة عابرة، ولذلك، فإن التعاطي مع السلطة السورية الجديدة ينبغي أن يقوم على مبدأ واضح هو :
الانفتاح المشروط، والاختبار المستمر، وربط أي دعم سياسي أو اقتصادي بمدى نجاحها في بناء دولة المواطنة والمؤسسات، واحترام الحريات، واحتكار السلاح، وإرساء سيادة القانون. فإذا نجحت في ذلك، فإن سورية ستكون قد دخلت بالفعل مرحلة جديدة. أما إذا بقيت أسيرة عقلية التنظيم ومنطق السلطة المغلقة، فإن تغيير الأشخاص لن يكون كافياً لتغيير الدولة.