شرايين تحت الرماد: هل يعيد خط كركوك – بانياس رسم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط

Salah Kirata • ١٨‏/٧‏/٢٠٢٦

58175.png


شرايين تحت الرماد: 
هل يعيد خط كركوك – بانياس رسم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط؟.

بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

في الشرق الأوسط لا تموت الجغرافيا، بل تنتظر اللحظة التي تستدعيها السياسة، فالممرات الاستراتيجية لا تفقد قيمتها مهما طال الزمن، وإنما تتراجع مؤقتاً قبل أن تعود إلى الواجهة عندما تتغير موازين القوى وتتبدل خرائط المصالح، ومن هذا المنطلق، تبدو العودة المتزايدة للحديث عن إعادة تشغيل خط أنابيب ( كركوك – بانياس ) حدثاً يتجاوز كثيراً كونه مشروعاً نفطياً، ليغدو مؤشراً على تحولات قد تعيد رسم خريطة الطاقة والنفوذ في المنطقة بأسرها...

منذ توقف الخط عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، بدا وكأن أحد أهم الشرايين الاقتصادية في المشرق العربي قد خرج نهائياً من الخدمة، غير أن التطورات الإقليمية المتسارعة، والحديث عن دعم أمريكي لإعادة إحيائه، يعكسان أن المشروع عاد ليحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وبغداد ودمشق، وربما لقوى إقليمية ودولية أخرى تدرك أن من يسيطر على طرق الطاقة يملك جزءاً كبيراً من مفاتيح القرار السياسي...

فالقدرة المحتملة للخط، التي قد تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يومياً، لا تعني فقط نقل النفط العراقي إلى البحر الأبيض المتوسط، وإنما تعني أيضاً إنشاء ممر استراتيجي جديد يخفف الاعتماد على الخليج العربي ومضيق هرمز، ويمنح العراق منفذاً إضافياً أكثر أمناً ومرونة لتصدير ثروته النفطية في عالم تتزايد فيه المخاطر الأمنية على خطوط الملاحة البحرية...

أما سورية، فإن أهمية المشروع تتجاوز بكثير رسوم العبور، فعودة هذا الشريان إلى الحياة تعني استثمارات واسعة في البنية التحتية، وإعادة تأهيل الموانئ والطرق وخزانات النفط، وتنشيط قطاعات النقل والخدمات والصناعات المرتبطة بالطاقة، إضافة إلى توفير آلاف فرص العمل. والأهم من ذلك كله، استعادة موقع سوريا بوصفها حلقة وصل لا يمكن تجاوزها بين الخليج والبحر المتوسط، بما يعيد إليها جزءاً مهماً من ثقلها الجيوسياسي الذي تراجع خلال سنوات الحرب...

لكن القراءة الأعمق للمشهد تكشف أن المشروع يحمل أبعاداً تتجاوز الاقتصاد إلى إعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي، فكل برميل يمر عبر الساحل السوري هو برميل يقلل من الاعتماد الحصري على مضيق هرمز، ويمنح أسواق الطاقة العالمية هامشاً أكبر في مواجهة أي اضطرابات قد تنجم عن التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران أو أي إغلاق محتمل للمضيق. ولهذا، فإن إحياء هذا الخط قد يصبح جزءاً من استراتيجية أوسع لتنويع ممرات الطاقة العالمية وتقليل هشاشة الاقتصاد الدولي أمام الأزمات الجيوسياسية...

وفي الوقت نفسه، قد يعيد المشروع رسم شبكة العلاقات الاقتصادية في المشرق العربي، ويفتح الباب أمام مشاريع موازية تشمل الغاز، والسكك الحديدية، والمناطق الصناعية، والموانئ، بما يحول المنطقة من ساحة تنافس عسكري إلى عقدة اقتصادية تربط الخليج بالبحر المتوسط وأوروبا...

وليس من قبيل المصادفة أن يستحضر هذا المشروع ذاكرة مرحلة شهدت أحد أعلى مستويات التعاون الاقتصادي بين دمشق وبغداد، ففي تسعينيات القرن الماضي كان خط كركوك – بانياس يمثل نموذجاً عملياً للتكامل الاقتصادي، وأسهم في توفير مكاسب كبيرة للطرفين، في تجربة استندت إلى رؤية أوسع تجلت في ميثاق العمل القومي الموقع عام 1979، الذي كان يطمح إلى بناء فضاء اقتصادي وسياسي عربي أكثر تماسكاً، قبل أن تعصف به الانقسامات والحروب...

ويبقى السؤال الأهم: هل تسمح تعقيدات المنطقة بولادة هذا المشروع من جديد؟

الإجابة لا ترتبط بالجدوى الاقتصادية، فهي شبه محسومة، بل بقدرة القوى الإقليمية والدولية على التوصل إلى تفاهمات تضع المصالح الاقتصادية فوق منطق الصراع. فإذا نجح ذلك، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة تتراجع فيها أهمية الجبهات العسكرية لمصلحة ممرات التجارة والطاقة، ويتحول النفط من وقود للحروب إلى جسر للتعاون.

لقد أثبت التاريخ أن الإمبراطوريات لم تُبنَ فقط فوق حقول النفط، بل فوق الطرق التي تنقل هذا النفط. واليوم، يقف خط كركوك – بانياس أمام فرصة قد تعيده إلى لعب هذا الدور التاريخي؛ ليس مجرد أنبوب يربط بلدين، بل شرياناً قد يعيد رسم الجغرافيا السياسية والاقتصادية للشرق الأوسط لعقود قادمة...
ختاماً:
الخبر السار اعلاه لم انشره فقط للاعلام بل لأعلم الإخوة الذين يتابعون أنه كان قد فعل هذا الخط في ظل قيادتي سورية والعراق منذ التسعينات الى ماقبل احتلال العراق وكان العراق يعطي سورية يوميا ٢٠٠ الف برميل مجانا وبدون مقابل، إضافة إلى مبلغ ٣٠ دولار على كل برميل يصدر عبر ميناء بانياس اي كان سعر البرميل عالميا، حتى ولو لم يتجاوز الثلاثين دولارا فكانت كلها لسورية ...
على هامش هذا اذكركم بميثاق العمل القومي بين سورية والعراق الذي وقع بالاحرف الاولى بين سورية والعراق عام ١٩٧٩.