
سورية بين مطرقة "الغنيمة" وسندان الدولة:
من أين يؤتى الأمن الجديد؟.
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم يكن المشهد السوري يوماً مجرد لوحة سياسية تُعاد صياغتها، بل كان أشبه بحقل ألغام تتقاطع فوقه الحسابات الإيديولوجية بالبرغماتية السياسية، واليوم، ونحن نرقب سلوك الحكومة الانتقالية منذ توليها السلطة، نجد أنفسنا أمام حقيقةٍ لا يمكن القفز فوقها وهي :
( أن معظم ما قامت به هذه الحكومة لا يوحي، بأي شكل من الأشكال، أنها خلعت العباءة الإسلامية)...
وهنا:
انا لا أتحدث عن الإسلام في أبعاده الإيمانية النقية أو طقوس عباداته السامية، بل عن "الإسلاموية" كمفهوم فضفاض وتمدد سياسي يتجاوز حدود السجود والركوع ليصبح أداة إدارة ورؤية حكم...

من هذا المنطلق بالذات، يمكننا قراءة المشهد الدستوري والسياسي الأخير، والفرز الدقيق للقوى الفاعلة والمؤثرة تجاهه؛ فثمة خيط رفيع وفصل حاسم يجب وضعه بوضوح لمنع أي التباس في القراءة:
- الطرف الأول:
وهم معارضو النظام ومن ناصبوه العداء ربما منذ مسرحية السقوط والصعود، وكذا منهم من كان قد رحب بما حدث لكنه عاد وتراجع لما ظهرت المرج بعد أن ذلك الثلج، هؤلاء لاينظرون وانا منهم أن أي خطوة تم تدشينها حتى الآن، بدءاً من الإعلان الدستوري ووصولاً إلى إعلان أسماء السبعين عضواً في مجلس الشعب —وهم حصة رئيس الجمهورية— لم تكن لتخلق غضاضة أو تثير حفيظة المعارضة، كونهم لا يرون في كل ما قامت به حكومة الشرع حتى الآن "إنجازاً حقيقياً" يستحق الالتفات إليه أو الانشغال به، ولذا فهم لا يأبهون بهذه الخطوات ولا تقع ضمن دائرة اهتمامهم السياسي أصلاً...
- الطرف الثاني:
الجماعات الجهادية، و هنا يكمن الصراع، وهنا يدور التحسس المفرط والارتياب، فالأمر لا يتعلق بالمعارضة السياسية ولا بصفوف الناس المنهكين، بل بكواليس تلك "الجماعات الجهادية" التي شاركت "هيئة تحرير الشام" سابقاً غرفة "ردع العدوان"، هذه الجماعات وحدهـا هي التي تستشعر الخطر الحقيقي والداهم على مستقبلها ونفوذها؛ إذ ترى في المسار السياسي الحالي مؤشراً على تهميشها وحرمانها من "مكاسب الميدان".
وجاءت تلك الفاجعة التي هزت قلب العاصمة لتترجم هذا التحسس الجهادي المستعر خلف الكواليس؛ فالجريمة الإرهابية التي نُفذت بوضح النهار في وسط دمشق، وأودت بأرواح العشرات بين قتلى وجرحى، كانت محاولة دموية لتقول بالدم اننا هنا وما لكم في سورية لنا مثله...
وكي اقرب الفكرة سأحاول تبسيطها:
تقول الذاكرة الشعبية، وهي خزان تجارب الشعوب وقانونها غير المكتوب، أمثالاً تُسقط السلوكيات على موازين من ذهب، وفي حالتنا السورية الراهنة، يقفز إلى الذهن مثلان يحملان في طياتهما تفسيراً مشحوناً بالواقعية:
- غلطة الشاطر بألف...
- دود الخل منه وفيه...
إن القراءة المتأنية لما حدث بالأمس لا تشير إلى عدو خارجي مجهول، بل توحي بأن التفجير لا يعدو أن يكون رسالة مغمسة بالدم من تلك "الجماعات الجهادية" ذات الماضي الإرهابي، والتي تنظر إلى سورية حتى هذه اللحظة كـ "غنيمة حرب" لا كوطن يتسع للجميع، هذه الفصائل التي انضوى بعضها أو معظمها سابقاً تحت قيادة هيئة تحرير الشام في المعارك، تجد نفسها اليوم أمام واقع سياسي يبني مؤسسات تحجم طموحاتها الإقصائية، وتستشعر أن مستقبها بات على المحك ما لم تنتزع حصتها بالقوة...
هنا تكمن العقدة؛ فقناعتنا المطلقة تشير إلى أن السلطات السورية، بدءاً من مقام رئاسة الجمهورية، تتعرض لضغوط عربية ودولية هائلة وحثيثة لتقييد حركة الأشخاص المنتمين لهذه الجماعات المتشددة، وحصر نشاطهم، وإبعادهم تماماً عن أي إمكانية لممارسة الحياة السياسية أو التغلغل في مفاصل الدولة الناشئة، لذا فإنه وكلما ضاق حصار الحظر السياسي والإقليمي حول رقابهم، وكلما استشعروا الخطر على وجودهم ومستقبلهم، كلما شهدنا ردود أفعال أكبر وأكثر ضراوة من قادتهم خلف كواليس حساب الغنائم...
باختصار:
إنها لغة الابتزاز بالدم، لسان حال هذه الفصائل المغيبة يقول لقائد الهيئة الذي صار رئيسا لسورية من خلال مبايعة قادة القوى العسكرية أحمد الشرع:
- إن لنا ما لك في سورية...
أو ربما صرخوا في الغرف المغلقة:
- نحن شركاؤك في ما وصلت إليه اليوم، ونريد حصتنا من الكعكة السورية عبر المشاركة في حكمها...
الكعكة التي يرونها إرثاً للقتال، لا بناءً للمواطنة...
أما تنظيم "داعش"، فعداوته مع الشرع وهيئته وتاريخه أكبر من أن تُفند أو تحتاج إلى دليل، وهي سياق آخر معلوم ومفروغ منه...
خلاصة القول ومربط الفرس:
إن التحدي الأكبر اليوم يقع على عاتق أجهزة الأمن السورية، لذا فإن الدعوة موجهة إليها، بكل ثقل المسؤولية الوطنية، للتركيز الشديد على هذه الجزئية بالذات، فالعدو المتربص باستقرار سورية، والراغب في تفخيخ مسارها الانتقالي، ليس المعارضة السياسية التي لا تأبه أساساً بهذه الإجراءات ولا تلتفت إليها، بل يكمن الخطر في كواليس تلك الجماعات الجهادية التي كانت حليفة الميدان بالأمس، وتستشعر الخطر على مستقبلها اليوم، الأمن الحقيقي يبدأ من تشخيص "دود الخل" قبل البحث عن الأعداء في العلن.