
بين حدّة السيوف ولين الحرير:
هل بدأت سوريا تنسج مستقبلها الجديد؟.
قراءة في كلمة الرئيس احمد الشرع في معرض رعايته لمعرض ( ناس تكس )...
بقلمي:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
ليست كل المعارض الاقتصادية أحداثاً تجارية فحسب؛ فبعضها يتحول إلى منصة تعلن من خلالها الدول عن فلسفتها في الحكم، وأولوياتها في إدارة المرحلة المقبلة، ومن هذا المنظور، اكتسب افتتاح الرئيس أحمد الشرع لمعرض سوريا الدولي للنسيج "ناس تكس 2026" بعداً يتجاوز صناعة الأقمشة والخيوط، ليقدم رؤية سياسية واقتصادية متكاملة لسوريا وهي تحاول الانتقال من زمن الحرب إلى زمن الدولة...
ولعل اختيار قطاع النسيج لم يكن مصادفة؛ فهذا القطاع كان لعقود طويلة أحد أعمدة الاقتصاد السوري، ورمزاً لقدرة السوريين على الإنتاج والمنافسة في الأسواق العالمية، لذلك فإن إعادة وضعه في واجهة الاهتمام تعني أن الحكومة تريد أن تجعل من الاقتصاد المنتج، لا الاقتصاد الريعي أو اقتصاد المساعدات، نقطة الانطلاق في مشروع إعادة الإعمار...
عندما وصف الرئيس الشرع المعرض بأنه "محطة خير وبركة" وبداية فعلية لمعركة إعادة البناء، لم يكن يتحدث عن معرض موسمي، بل عن فلسفة اقتصادية ترى أن إعادة إعمار الإنسان تبدأ بإعادته إلى سوق العمل، وأن المصنع المنتج أكثر قدرة على ترميم المجتمع من أي برنامج إغاثي مؤقت، فكل فرصة عمل جديدة تعني أسرة أكثر استقراراً، وكل معمل يعود للإنتاج يمثل خطوة إضافية نحو استعادة الثقة بالدولة والاقتصاد...
غير أن أكثر ما استوقفني كمتابع كان تلك العبارة المكثفة التي قال فيها:
"بين حدّة السيوف الدمشقية ولين الحرير تكمن السياسة السورية"...
اجنح إلى أن هذه الحملة هذه ليست جملة بلاغية عابرة، بل اختزال لمدرسة سياسية كاملة؛ فالسيف الدمشقي يرمز إلى قدرة الدولة على حماية سيادتها وفرض الأمن، بينما يجسد الحرير الدمشقي تاريخ سوريا في التجارة والانفتاح والتواصل الحضاري، وبين الرمزين تتشكل معادلة الدولة التي تريد أن تكون قوية دون عدوانية، ومنفتحة دون تفريط، وحازمة في حماية مصالحها، لكنها تفضّل الحوار على الصدام كلما كان ذلك ممكناً...
ومن يقرأ الخطاب كاملاً يلاحظ أنه قام على ثلاثة مرتكزات مترابطة:
- السلم الأهلي باعتباره الشرط الأول لاستعادة الدولة...
- والاستقرار الأمني بوصفه البيئة الضرورية للاستثمار والإنتاج...
- والانفتاح الدبلوماسي باعتباره الطريق الطبيعي لإعادة سوريا إلى موقعها الإقليمي والدولي...
هذه الرؤية تعكس تحولاً ملحوظاً في لغة الخطاب الرسمي؛ فبعد سنوات كانت الأولوية فيها للملفات العسكرية والأمنية، أصبح الحديث اليوم يدور حول الاستثمار، والصناعة، وفرص العمل، والشراكات الاقتصادية، واستعادة الثقة بالاقتصاد الوطني. وهذا التحول في حد ذاته مؤشر سياسي يستحق التوقف عنده...
عموماً:
هذا لن يمنعني من أن أقول أن السياسة لا تُقاس بجمال العبارات، وإنما بقدرتها على التحول إلى واقع، وهنا يصبح السؤال الأهم:
- هل بدأت الحكومة الانتقالية فعلاً بتنفيذ ما تحدث عنه الرئيس؟..
حتى الآن:
يمكن رصد مجموعة من المؤشرات الإيجابية، فالحكومة اتجهت نحو إعادة بناء علاقاتها العربية والدولية، وعملت على تحسين البيئة الاستثمارية، وأطلقت مشاريع لإعادة تشغيل قطاعات إنتاجية، وأبدت رغبة في بناء مؤسسات أكثر كفاءة وشفافية، مع محاولات للحد من الفساد الإداري وتحديث الأداء الحكومي، كما أن خطابها السياسي أصبح أكثر تركيزاً على مفهوم الدولة ومؤسساتها، وأقل اعتماداً على لغة التعبئة والصراع...
في المقابل:
ما تزال تحديات المرحلة هائلة، فالاقتصاد السوري يحتاج إلى استثمارات ضخمة، وإصلاحات قانونية وإدارية عميقة، واستقرار أمني مستدام، وقضاء مستقل، وإدارة عامة كفؤة، فضلاً عن ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وهذه ليست أهدافاً تتحقق بقرار واحد، بل بمسار طويل يتطلب إرادة سياسية ثابتة، وقدرة تنفيذية عالية، ومساءلة مستمرة...
لكن :
من الإنصاف القول إن الحكومة الانتقالية، خلال الفترة الماضية، اتخذت عدداً من القرارات التي تنسجم مع الخطاب الذي طرحه الرئيس أحمد الشرع، سواء في الانفتاح الخارجي، أو إعادة تنشيط الاقتصاد، أو السعي إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة، غير أن هذه الخطوات تمثل بداية طريق، لا نهايته، وما زالت بحاجة إلى استكمالها بإصلاحات أعمق، وبنتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مستوى معيشته، وعدالة مؤسسات الدولة، وتكافؤ الفرص بين جميع السوريين...
في النهاية:
بدا خطاب الرئيس أحمد الشرع في "ناس تكس 2026" أقرب إلى إعلان رؤية وطنية منه إلى كلمة بروتوكولية، وقد حمل قدراً واضحاً من الواقعية والطموح في آن واحد، مستنداً إلى فكرة بسيطة لكنها عميقة:
'أن الدول لا تنهض بالسلاح وحده، ولا بالاقتصاد وحده، بل بالتوازن بين قوة الدولة، وحيوية المجتمع، وانفتاحها على العالم"...
ويبقى الامتحان الحقيقي، كما علمتنا تجارب الأمم، ليس في قدرة القادة على رسم الصور الجميلة للمستقبل، وإنما في قدرتهم على تحويل تلك الصور إلى مؤسسات راسخة، واقتصاد منتج، وعدالة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فإذا نجحت الحكومة في ذلك، فلن يكون معرض "ناس تكس 2026" مجرد مناسبة اقتصادية، بل قد يُسجل لاحقاً بوصفه إحدى المحطات الرمزية التي أعلنت بداية مرحلة جديدة في تاريخ سوريا الحديث.