
انتحار الهويات الوطنية:
عندما يصبح الوطن آخر ما يفكر فيه أبناؤه.
لم تكن المأساة السورية مجرد حرب أهلية أو صراع على السلطة، بل كانت انهياراً عميقاً لمفهوم الدولة الوطنية، واختباراً قاسياً لمعنى الانتماء، فما شهدته سورية خلال سنوات الحرب تجاوز حدود المواجهة العسكرية، ليكشف عن أزمة أكثر خطورة: أزمة الهوية الوطنية عندما تتراجع أمام الهويات الفرعية والولاءات الخارجية...
لقد بدت البلاد، في كثير من مراحل الصراع، وكأنها تتحول إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، بينما وجد كثير من السوريين أنفسهم، طوعاً أو اضطراراً، جزءاً من هذه الاصطفافات، وهنا تكمن المأساة؛ فحين يفقد المواطن بوصلته الوطنية، يصبح الوطن نفسه مجرد ساحة يتنافس عليها الآخرون.
كثيراً ما ارتبط هذا المشهد بما عُرف في الأدبيات السياسية بمفهوم "الفوضى الخلاقة"، وهو مفهوم أثار جدلاً واسعاً منذ أن طُرح في سياق النقاشات الأمريكية حول مستقبل الشرق الأوسط في العقد الأول من هذا القرن، وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات حول هذا المفهوم وحدود تطبيقه، فإن النتيجة التي عاشتها المنطقة كانت واضحة، دول أُنهكت، ومجتمعات تمزقت، ومؤسسات انهارت، بينما تمددت التدخلات الخارجية على حساب السيادة الوطنية...
حين يتعدد الولاء، ويتراجع الوطن:
لم تعد الأزمة مجرد انقسام بين معارضة وموالاة، ولا مجرد خلاف سياسي يمكن احتواؤه بالحوار، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى تعدد في مراكز الولاء. فبات المشهد يوحي وكأن لكل قوة إقليمية أو دولية امتداداً داخل البلد، ولكل مشروع خارجي من يتبناه ويدافع عنه باعتباره مشروعه الخاص، فقد وصلنا لمكان وجدنا فيه السوري الإيراني والتركي والروسي والأمريكي والاسرائيلي والسعودي والقطري والإماراتية...
وهكذا أصبح الحديث يدور عن اصطفافات مرتبطة بتركيا أو إيران أو روسيا أو الولايات المتحدة أو غيرها، حتى غدا الولاء للخارج، في بعض الحالات، يتقدم على الولاء للوطن ذاته، ولم يعد الانقسام يقتصر على اختلاف الرؤى السياسية، بل تجاوز ذلك إلى إعادة تعريف الهوية نفسها وفق مرجعيات مذهبية أو عرقية أو جيوسياسية...
ولا يمكن إنكار أن البعد الطائفي لعب دوراً بالغ الخطورة في تأجيج هذا الواقع؛ إذ استثمرته قوى إقليمية لتعزيز نفوذها، واستغلته أطراف محلية لتعبئة جمهورها، فازدادت الفجوة بين أبناء الوطن الواحد، وتحول الاختلاف السياسي إلى خصومة وجودية، وأصبح الانتماء للطائفة أو المحور بديلاً عن الانتماء للدولة...
وما يؤلم حقاً أن بعض أبناء الوطن، بقصد أو من دون قصد، أصبحوا يدافعون عن مصالح القوى الخارجية بالحماسة نفسها التي يفترض أن يدافعوا بها عن وطنهم، وكأن الخراب الذي حل بمدنهم وبيوتهم لم يكن كافياً لإقناعهم بأن أحداً لن يكون أحرص على أوطانهم منهم أنفسهم...
- العراق، المشهد يتكرر بأسماء مختلفة:
ولعل العراق يقدم اليوم مثالاً آخر على المعضلة نفسها، فمهما صدرت من مواقف رسمية تؤكد استقلال القرار العراقي ورغبة الدولة في حماية سيادتها، فإن النفوذ الخارجي لا يقاس بالتصريحات وحدها، بل بمدى تجذره داخل المجتمع والقوى السياسية ومراكز النفوذ...
فأي نفوذ أجنبي، إيرانياً كان أو تركياً أو أمريكياً أو غير ذلك، لا يستطيع أن يستمر إذا فقد بيئته المحلية الحاضنة، والقوى الخارجية، مهما امتلكت من أدوات، لا تستطيع أن تفرض حضورها الدائم ما لم تجد في الداخل من يمنحها الشرعية السياسية أو الشعبية أو الأيديولوجية...
ومن هنا فإن معركة الاستقلال الحقيقي ليست معركة حدود، بل معركة وعي، وهي تبدأ عندما يدرك المواطن أن انتماءه الوطني يجب أن يسمو على كل انتماء آخر، وأن الدولة لا يمكن أن تستقيم إذا أصبحت الطائفة أو الحزب أو المحور الخارجي مرجعية أعلى من الوطن...
لقد أثبت التاريخ أن مشاريع التحرر والسيادة لم تنتصر بالسلاح وحده، وإنما انتصرت عندما نجحت الشعوب في بناء هوية وطنية جامعة، تتسع للجميع، وتقدم المواطنة على العصبية، والدولة على الطائفة، والوطن على المحور...
-الدرس الذي لم نتعلمه بعد:
إن ما أصاب سورية لم يكن قدراً محتوماً، كما أن ما يواجه العراق ولبنان واليمن ليس قدراً لا يمكن دفعه،فالخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تتدخل القوى الخارجية، بل عندما يجد هذا التدخل من يبرره ويغذيه ويحوله إلى جزء من المشهد الداخلي...
لا توجد قوة تستطيع مصادرة وطن يرفض أبناؤه التفريط به، ولا يستطيع أي مشروع خارجي أن ينجح في تفكيك دولة ما لم تتصدع هويتها الوطنية من الداخل. فالاحتلالات قد ترحل، والتحالفات تتغير، والمصالح الدولية تتبدل، أما الأوطان التي تنتحر هويتها الوطنية، فإنها تحتاج إلى عقود طويلة كي تستعيد عافيتها...
لقد آن الأوان لأن ندرك أن الطائفة ليست وطناً، وأن الحزب ليس دولة، وأن الخارج—مهما ادعى الصداقة أو الحماية—لن يقدم مصلحة أي شعب على مصالحه هو. وهذه ليست دعوة إلى الانغلاق أو العداء مع العالم، بل دعوة إلى أن تكون العلاقات الخارجية خادمة للمصلحة الوطنية، لا بديلاً عنها.
إن أخطر وباء أصاب منطقتنا لم يكن الحرب وحدها، ولا الإرهاب وحده، ولا التدخلات الأجنبية وحدها، بل ذلك الانهيار التدريجي في مفهوم الهوية الوطنية، حتى أصبح بعض الناس ينظر إلى أخيه في الوطن بعين الشك، بينما يمنح ثقته الكاملة لمن يشاركه الانتماء الطائفي أو السياسي ولو كان خارج الحدود...
وحين تصبح الهوية الوطنية آخر الهويات حضوراً، يصبح الوطن نفسه أول الضحايا، وعندها لا يعود السؤال: - من انتصر ومن هُزم؟..
بل يصبح السؤال الأكثر إيلاماً:
- هل بقي هناك وطن ينتصر له أحد؟..
اخيراً:
ما سأذكره أدناه هو السبب في كل ما كتبته اعلاه :
قرأت خبرا أن رئيس وزراء العراق الجديد اعلم وزير الخارجية الإيراني بأن العراق ليست بحاجة الوجود الإيراني في العراق وعليهم الخروج ...
وكنت قد شاهدت وسمعت وقرأت أن مدنا عراقية كـ ( النجف ) و ( كربلاء )، قد قامت بمراسم تأبين ( للخامنئي)، بكثافة حضور فاقت بعض المدن الإيرانية حيث وصل العدد الى ثمانية ملايين عراقي هم من شاركوا في التأبين ...
فخطر ببالي السؤال التالي وهو :
هل تستطيع الحكومة العراقية اخراج الإيرانيون من العراق دون موافقة ( شيعته ) لأقول إن لم يخرج شيعة العراق ايران فلا قوة في العراق لديها القدرة على إخراجهم، وما لم يقدم العراقي والسوري وطنيته على طائفته، أن تتحرر الأوطان ...
وأنتم اصدقائي ماذا تقولون وكيف تعلقون ؟.