--:--
ضحايا وجرحى في انفجار استهدف مقهى قرب القصر العدلي بدمشق

سورية... حين يأكل الأبناء قلب الأم

Salah Kirata • ٢‏/٧‏/٢٠٢٦

53550.png

سورية... 
حين يأكل الأبناء قلب الأم:

يا سورية...

ما كنتِ يوماً رقعةً من تراب، ولا حدوداً رسمتها خرائط الساسة، بل كنتِ تلك الأم التي إذا ضحكت، ابتسم الشرق كله، وإذا بكت، ارتجفت له الجبال...

لكنني أنظر إليك اليوم، فلا أراك إلا أماً يقتسم أبناؤها ثيابها، ويتنازعون على ميراثها وهي لم تمت بعد...

عجيبٌ أمر الإنسان...

يبني الوطن في عشرات السنين، ثم يهدمه في سنوات قليلة، لا لأنه جاع، بل لأنه صدّق أن أخاه عدوه، وأن الخلاص يمر فوق جثة شقيقه...

لقد دخلت إلى سورية جيوش كثيرة، ولكن أخطر الجيوش لم تأت من وراء الحدود، بل خرجت من داخل النفوس؛ جيش الكراهية، وجيش الثأر، وجيش التعصب، وجيش الوهم...

وهذه الجيوش لا تحتاج إلى دبابات، لأنها تسير في العقول قبل الطرقات، وتحتل القلوب قبل المدن...

رأيت رجالاً يحملون السلاح وهم يظنون أنهم يحملون الحرية، فإذا بالسلاح يحملهم إلى عبودية جديدة...

ورأيت آخرين يدافعون عن الدولة حتى نسوا أن الدولة لا تقوم إلا بالعدل، ورأيت الجميع يرفعون اسم الوطن، بينما كان الوطن ينزف تحت أقدام الجميع...

يا أبناء سورية:

- إن الطائفة ليست وطناً...
- والعشيرة ليست وطناً...
- والحزب ليس وطناً...
- والقائد ليس وطناً...

والوطن لا يكون وطناً إلا عندما يصبح الإنسان فيه أغلى من السلطة، وأغلى من العقيدة، وأغلى من الانتقام.

* لقد عبد الناس أصناماً كثيرة:
- منهم من عبد الحاكم...
- ومنهم من عبد الثورة...
- ومنهم من عبد البندقية...
- ومنهم من عبد الطائفة...

أما الوطن...
فتركوه وحيداً يصلي في خرائب المدن...

وأقول لكم:
- إن أشد أنواع الهزيمة ليست أن تخسر حرباً، بل أن تخسر قدرتك على رؤية أخيك إنساناً...
- وأشد أنواع الفقر ليس فقر الخبز، بل فقر الرحمة...
- وأشد أنواع الموت ليس أن يسقط الجسد، بل أن تموت الضمائر وهي تمشي بين الناس...

سيأتي يوم يكتشف فيه السوريون أن أحداً لم ينتصر، فالمنتصر الحقيقي لا يرث المقابر، ولا يحكم الخرائب، ولا يبني مجده فوق دموع الأمهات...

وسيكتشف الجميع أن الوطن الذي يتقاسمه الغرباء لا يبقى وطناً لأحد...

أما أنا...
فلست أكتب لأقنع من أغلق قلبه، ولا لأسترضي من جعل الكراهية ديناً، وإنما أكتب لأن الكلمة الصادقة تشبه الشجرة؛ قد تعيش أعواماً طويلة في صمت، ثم يأتي يوم تنبت فيه من بين الصخور...

ولعل هذه الكلمات ليست سوى حجر صغير ألقيه في وادي التيه، علّ صداه يوقظ ضميراً لم يمت بعد، ويذكر السوريين بأن الوطن لا يطلب منهم أن يتشابهوا، وإنما يطلب منهم ألا يكره بعضهم بعضاً، وألا يجعلوا اختلافهم سبباً لضياعه.