هل يدخل الجيش السوري إلى لبنان؟ قراءة مقارنة لما ترسخ في الذاكرة بين عام 1976، وحقائق الشرق الأوسط الجديد

Salah Kirata • ١٢‏/٧‏/٢٠٢٦

56062.png

هل يدخل الجيش السوري إلى لبنان؟ قراءة مقارنة لما ترسخ في الذاكرة بين عام 1976، وحقائق الشرق الأوسط الجديد :

سألني بعض الأصدقاء سؤالًا بدا للوهلة الأولى افتراضيًا، لكنه في الحقيقة يختزن قدرًا كبيرًا من القلق والفضول، ويعكس حجم التحولات التي تشهدها المنطقة. قالوا لي: هل سيساهم الجيش السوري الوليد في نزع سلاح حزب الله إذا أمرت الولايات المتحدة بذلك؟ وهل يمكن أن يدخل لبنان كما دخل الجيش العربي السوري عام 1976 تحت العنوان العريض: 
( المحافظة على لبنان الواحد أرضًا وشعبًا، وهذا ما كان فعلا )؟..

أقف أمام هذا السؤال بعيدًا عن العواطف والانحيازات، وأحاول أن أقرأ المشهد كما هو، لا كما يتمناه هذا الطرف أو ذاك. فالسياسة لا تُبنى على الرغبات، وإنما على موازين القوى، وحسابات المصالح، والقدرة على تحمل كلفة القرار...

لهذا، لا أعتقد أن المنطقة تقف اليوم على أعتاب إعادة إنتاج مشهد عام 1976، لأن التاريخ قد يعيد طرح الأسئلة نفسها، لكنه نادرًا ما يعيد إنتاج الإجابات ذاتها...

في ذلك الزمن، دخل الجيش السوري إلى لبنان في ظل حرب أهلية طاحنة، وانهيار شبه كامل لمؤسسات الدولة، وضمن شبكة معقدة من التفاهمات العربية والإقليمية والدولية...

 أما اليوم، فإن الصورة مختلفة جذريًا، فسورية نفسها خرجت من حرب طويلة أنهكت الدولة والجيش والاقتصاد، وتعمل على إعادة بناء مؤسساتها وترميم الداخل قبل الانخراط في مغامرات خارج الحدود، ولبنان، رغم أزماته العميقة، ما يزال يمتلك دولة وجيشًا ومؤسسات دستورية، وتحظى هذه المؤسسات بدعم دولي واسع بوصفها الجهة المخولة بحمل السلاح وفرض سلطة القانون...

ومن خلال متابعتي للتصريحات الصادرة عن أصحاب القرار، لا أجد حديثًا عن تدخل عسكري سوري داخل لبنان، بل أجد تركيزًا متزايدًا على ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح، وتجفيف مسارات الإمداد غير الشرعية، وتعزيز التعاون الأمني بين الدولتين. وهذا، في تقديري، هو السقف الواقعي لأي دور سوري محتمل في المرحلة المقبلة...

صحيح أن الولايات المتحدة تضع مسألة تقليص نفوذ حزب الله ضمن أولوياتها الإقليمية، لكن هذا لا يعني بالضرورة أنها تسعى إلى تكليف الجيش السوري بمهمة نزع سلاح الحزب داخل الأراضي اللبنانية، فمثل هذا السيناريو يحمل مخاطر سياسية وعسكرية هائلة، وقد يحول سورية من دولة تسعى إلى استعادة استقرارها إلى طرف مباشر في صراع لبناني بالغ التعقيد، وهو ما لا يخدم مصالحها، ولا يبدو أنه يحظى بقبول لبناني أو إقليمي...

وأعتقد أن القيادة السورية تدرك تمامًا أن بناء الدولة يبدأ من الداخل، وأن الجيش الذي يُعاد تشكيله اليوم يحتاج إلى ترسيخ عقيدته الوطنية، وحماية حدوده، واستعادة جاهزيته، لا إلى الانخراط في ملفات خارجية قد تستنزفه قبل أن يكتمل بناؤه...

ثم إن ثمة حقيقة لا يجوز تجاهلها، وهي أن قضية السلاح داخل لبنان، مهما بلغت حساسيتها، تبقى في نهاية المطاف شأنًا لبنانيًا يرتبط بالتوازنات الداخلية وبقرار الدولة اللبنانية نفسها، وقد تستطيع الدول الصديقة أن تساعد، وأن تضغط، وأن تقدم الدعم السياسي والأمني، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الدولة في ممارسة سيادتها، إلا إذا دخلت المنطقة في ظروف استثنائية مختلفة تمامًا عما نراه اليوم...

لهذا كله، أميل إلى الاعتقاد بأن الدور السوري، إذا طُلب منه أي دور، سيقتصر على ما يخدم أمنه القومي المباشر وهو: 
إغلاق الحدود أمام التهريب، ومنع انتقال السلاح والمقاتلين، والتنسيق الأمني والاستخباراتي مع الدولة اللبنانية، وليس إعادة إرسال قوات عسكرية إلى الداخل اللبناني...

لقد تغير الشرق الأوسط كثيرًا منذ عام 1976، وتغيرت معه الجيوش، والتحالفات، ومفاهيم السيادة، وأولويات الدول. ومن يقرأ الحاضر بعين الماضي وحدها قد يخطئ في فهم الاثنين معًا...

لهذا، فإن إجابتي تبقى واضحة:
 لا أرى، وفق المعطيات المتوافرة حتى هذه اللحظة، أن الجيش السوري يتجه إلى دخول لبنان كما فعل قبل خمسين عامًا تقريبًا، حتى لو استمر الضغط الأميركي لتقليص نفوذ حزب الله. أما التعاون الأمني، وضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح، فهي جميعًا احتمالات تبدو أكثر واقعية، وأكثر انسجامًا مع طبيعة المرحلة، وأقل كلفة على الجميع...

وفي السياسة، كما تعلمت بعد عقود من متابعة هذا الشرق المضطرب، لا يكفي أن نسأل:
- ماذا يمكن أن يحدث؟..
 بل يجب أن نسأل أيضًا:
-  من يملك مصلحة حقيقية في حدوثه، ومن يستطيع أن يتحمل ثمنه؟..
 وغالبًا ما تكمن الإجابة الصحيحة في المسافة الفاصلة بين هذين السؤالين...

ملاحظة:
عودة على بدء لمن يتبرأون من العهد السابق من قبل الله لبعد يائه اقول :
أن الجيش العربي السوري وخلال مواجهته للإجتياح الإسرائيلي للبنان قدم ٧٠٠٠ شهيد بين ضابط وصف ضابط وجندي...
عدا كما كبير من الطائرات والطيارين .