
حين يصبح الجوع سياسة صامتة… والكلمة آخر أشكال النجاة
ليس الجوع في جوهره حدثًا اقتصاديًا فحسب، بل هو اختبار قاسٍ لمعنى الدولة، ولمدى قدرة المجتمع على حماية أبسط حقوقه: البقاء. وما نراه اليوم في سورية لا يمكن اختزاله في أزمة معيشية أو اختلال مؤقت في الأسواق، بل في مسار طويل من الانحدار جعل الحياة اليومية نفسها قابلة للتفاوض، وكأن الخبز بات امتيازًا لا حقًا، وكأن الدواء صار هدية لا ضرورة.
في هذا السياق، تبدو الصرخة التي تُطلق من داخل الألم أكثر من مجرد انفعال عابر. إنها محاولة لاستعادة المعنى في زمن يتآكل فيه المعنى ذاته. حين يتحول الفقر إلى مشهد مألوف، والطوابير إلى جزء من المشهد البصري اليومي، يبدأ الخطر الحقيقي: لا لأن الجوع اشتد فقط، بل لأن المجتمع بدأ يتأقلم معه.
وهنا تحديدًا، تكمن المفارقة القاسية. فالمجاعات الكبرى في التاريخ لم تكن دائمًا نتيجة نقص الطعام وحده، بل نتيجة انهيار القدرة على تسمية ما يحدث باسمه الحقيقي. حين يُعاد تعريف الكارثة بوصفها “ظرفًا صعبًا”، ويُعاد تعريف الألم بوصفه “مرحلة عابرة”، تبدأ الكارثة بالاستقرار بدل أن تُقاوَم.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع ليس الفقر ذاته، بل اعتياده. حين يصبح الانكسار مشهدًا يوميًا بلا دهشة، وحين تتحول المعاناة إلى خلفية ثابتة للحياة، يفقد الألم قدرته على الدفع نحو التغيير، وتفقد الكلمات وزنها، ويصبح الصمت شكلًا من أشكال التعايش القسري.
في مثل هذه اللحظات، لا يعود السؤال: من يسمع؟ بل يصبح السؤال الأعمق: لماذا لم يعد أحد يريد أن يتكلم؟ فالصمت لا ينشأ من غياب الوعي، بل من إرهاق طويل، ومن شعور متراكم بأن الصوت لا يغير مسارًا، وأن الحقيقة تُستهلك ثم تُهمّش.
لكن التاريخ، في لحظاته الأكثر قسوة، يذكّرنا بأن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تنهار تدريجيًا حين تتراجع قدرتها على تسمية الألم، وحين يتقدم الخوف خطوة على حساب الكلمة، وحين يصبح “التعايش” اسمًا مهذبًا للاستسلام البطيء.
لهذا، فإن رفع الصوت ليس ترفًا أخلاقيًا ولا موقفًا خطابيًا، بل فعل مقاومة ضد التآكل الهادئ للوعي. ليس لأن الكلمات وحدها تُطعم الجائع، بل لأنها تمنع الجوع من أن يتحول إلى قدر طبيعي، ومن أن يُقبل بوصفه جزءًا من النظام العام للأشياء.
إن أخطر ما قد يحدث اليوم ليس فقط اتساع دائرة الفقر، بل انكماش دائرة الدهشة. حين يتوقف الناس عن الاستغراب، يبدأ الواقع في التصلب، ويصبح التغيير أكثر بعدًا.
ربما لا تُنقذ الكلمات وحدها مجتمعًا يقترب من حافة الانهيار، لكنها تظل الحد الأدنى من مقاومة الانزلاق نحو الهاوية الصامتة. فالصوت، مهما بدا ضعيفًا، يظل علامة على أن الحياة لم تستسلم بعد، وأن هناك من يرفض أن يتحول الجوع إلى مشهد عادي في خلفية يوم طويل بلا معنى.