جمهورية «أحمدنا»... حين يصبح شرف الناس رهينة الحقد

Salah Kirata • ٢١‏/٧‏/٢٠٢٦

59486.png

جمهورية «أحمدنا»... 
حين يصبح شرف الناس رهينة الحقد:

من أخطر ما أنتجته ثقافة الإلغاء التي تتبناها جماعة "أحمدنا" أنها لم تعد تكتفي بمصادرة الرأي أو تخوين الخصوم، بل تجاوزت ذلك إلى محاولة احتكار الفضيلة نفسها، وكأن الله قد منحها صكوكًا حصرية لتوزيع الشرف والعفة والأخلاق على الناس...

في قاموس هذه العقلية، الشرف يعيش داخل حدود جماعتهم فقط. العفة لا تسكن إلا بيوت أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم وبناتهم، أما بقية السوريات، ولا سيما المنتميات إلى مكوّن بعينه، فيُتعامل معهن وكأنهن خارج دائرة الكرامة الإنسانية، فتنهال عليهن أوصاف سوقية لا يطلقها أصحاب المروءة حتى على ألد خصومهم...

هذه ليست زلة لسان، وليست انفعالًا عابرًا، بل تعبير عن بنية فكرية مأزومة ترى أن اغتيال السمعة أسهل من مواجهة الحقيقة، وأن تشويه النساء أقصر الطرق للانتقام من الرجال، وأن الكذب إذا تكرر بما يكفي يمكن أن يتحول إلى "حقيقة" في نظر جمهور تم شحنه بالكراهية...

والأشد فظاعة أن تختفي فتاة أو يثار احتمال تعرضها للخطف، فتتحول حسابات هؤلاء إلى محاكم ميدانية. لا ينتظرون تحقيقًا، ولا دليلًا، ولا شهادة، ولا حكمًا قضائيًا. في دقائق معدودة يصبحون رجال أمن، ومحققين، وأعضاء نيابة، وقضاة، ثم جلادين ينفذون أحكامهم بألسنتهم قبل أن تتحرك أي جهة مختصة...

أما الحكم الجاهز فهو واحد دائمًا: "ذهبت بإرادتها "،وكأنهم كانوا شهودًا على كل خطوة خطتها، أو أوكل إليهم احتكار الحقيقة المطلقة...

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يقتل الضحية مرة واحدة، بل يقتلها كل يوم، فإن كانت مختطفة ظلمها، وإن كانت بريئة افترى عليها، وإن عادت سالمة بقيت تطاردها تهمة صنعها حقد لا يعرف دينًا ولا أخلاقًا ولا إنسانية...

لقد علمتنا الحضارات أن الأخلاق تُعرف عند الخصومة، لا عند المحبة، أما الذين يحولون أعراض النساء إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية، فلا يدافعون عن قضية، بل يهدمون ما تبقى من قيم المجتمع، لأن الأمة التي يصبح فيها القذف والتشهير وسامًا، والكذب بطولة، والكراهية منهجًا، تكون قد بدأت رحلة السقوط الأخلاقي قبل أي سقوط آخر...

ولذلك يبقى قول الإمام الشافعي ميزانًا لا يشيخ مهما تبدلت الأزمنة:

لسانُكَ لا تذكرْ به عورةَ امرئٍ
                فكلُّكَ عوراتٌ وللناسِ ألسنُ.

وسيظل هذا البيت شاهدًا على أن من يتغذى على أعراض الناس، لن يبني وطنًا، ولن يصنع عدالة، ولن يؤسس دولة، بل لن ينتج إلا مزيدًا من الأحقاد التي تلتهم أصحابها قبل أن تلتهم خصومهم.