مأزق الحسابات المفتوحة: حين يصطدم الخيال السياسي بصلابة الجغرافيا

Salah Kirata • ١٩‏/٧‏/٢٠٢٦

58396.png

مأزق الحسابات المفتوحة:
 حين يصطدم الخيال السياسي بصلابة الجغرافيا.

في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب بعدد الصواريخ التي تُطلق، بل بقدرة كل طرف على فرض إرادته السياسية، ومن هنا، فإن سقوط قتلى أمريكيين في القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة لا يمثل مجرد حادث أمني عابر، بل يشكل نقطة تحول قد تعيد رسم قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران، وتضع إدارة الرئيس الأمريكي أمام أحد أكثر القرارات تعقيداً منذ سنوات...

لقد كشفت الأشهر الماضية أن التقديرات التي سبقت المواجهة لم تكن دقيقة بالقدر الكافي، فقد انطلقت واشنطن من فرضية أن الضغوط العسكرية والاقتصادية، مقرونة بالتفوق التكنولوجي والاستخباراتي، ستقود إلى انهيار سريع في قدرة طهران على إدارة الصراع، وربما تدفع إلى تغيرات داخلية تعيد تشكيل النظام السياسي نفسه، غير أن تلك الرؤية بدت أقرب إلى الأمنيات منها إلى القراءة الواقعية لطبيعة الدولة الإيرانية، التي راكمت، على مدى عقود، خبرة كبيرة في إدارة الأزمات وبناء شبكات بديلة للصمود...

صحيح أن الضربات العسكرية أصابت أهدافاً ذات قيمة استراتيجية، وألحقت خسائر مؤلمة بالقدرات الإيرانية، إلا أنها لم تُحدث الانهيار البنيوي الذي راهنت عليه بعض دوائر القرار، بل إن المؤسسة الإيرانية، رغم الضغوط، أظهرت قدرة على امتصاص الصدمة وإعادة تنظيم هياكلها، بينما انتقلت المواجهة تدريجياً إلى مرحلة مختلفة، عنوانها رفع كلفة الوجود الأمريكي في المنطقة، وتحويل القواعد العسكرية إلى أهداف دائمة ضمن معادلة ردع متبادل...

في المقابل، اكتشفت واشنطن أن تحقيق أهدافها القصوى يتطلب انخراطاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً يفوق بكثير ما تسمح به حساباتها الداخلية والتزاماتها الدولية، خصوصاً في ظل المنافسة الاستراتيجية مع الصين، واستمرار الحرب في أوكرانيا، والضغوط الاقتصادية التي تجعل الرأي العام الأمريكي أقل استعداداً لخوض حرب جديدة مفتوحة في الشرق الأوسط...

ولذلك، لم يكن اللجوء إلى قنوات التفاوض غير المباشر تعبيراً عن تسوية سياسية بقدر ما كان اعترافاً متبادلاً بأن كلفة استمرار التصعيد أصبحت أعلى من مكاسب أي انتصار عسكري محدود. غير أن تلك التهدئة لم تُنهِ أسباب الصراع، بل جمدتها مؤقتاً، فيما انصرف كل طرف إلى إعادة بناء قدراته واستعداداته لجولة جديدة إذا فرضتها الظروف...

واليوم، ومع تجدد استهداف القوات الأمريكية، تدخل الأزمة مرحلة أكثر حساسية، فالرد المحدود قد يُقرأ على أنه تراجع في هيبة الردع الأمريكي، بينما يحمل الرد الواسع مخاطر الانزلاق إلى مواجهة إقليمية يصعب ضبطها، تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط، وتطال خطوط الطاقة والتجارة العالمية، وربما تدفع قوى دولية أخرى إلى الانخراط بصورة غير مباشرة في الصراع...

في تقديري، لا تتجه المنطقة إلى حرب شاملة، لكنها تقترب من مرحلة أكثر خطورة يمكن وصفها بـ"حافة الحرب". فالولايات المتحدة لا ترغب في احتلال إيران ولا في خوض حرب استنزاف طويلة، لأنها تدرك أن الجغرافيا الإيرانية، والكثافة السكانية، وتعقيدات الإقليم، تجعل أي مغامرة برية خياراً بالغ الكلفة وفي المقابل، تدرك طهران أن مواجهة عسكرية شاملة مع الولايات المتحدة قد تهدد بقاء الدولة نفسها، ولذلك ستواصل، على الأرجح، الاعتماد على سياسة الرد المحسوب التي تبقي الضغط قائماً دون الوصول إلى نقطة اللاعودة...

غير أن أخطر ما في المرحلة المقبلة ليس قرار الحرب بحد ذاته، بل احتمال سوء التقدير، فالتاريخ يعلمنا أن كثيراً من الحروب الكبرى لم تبدأ لأن أحد الأطراف أرادها، بل لأن الجميع أخطأ في قراءة نيات الطرف الآخر، أو بالغ في تقدير قدرته على التحكم بسقف التصعيد...

لهذا أعتقد أن الأيام والاسابيع المقبلة ستشهد مزيجاً من الضربات الانتقائية، والرسائل العسكرية القاسية، والتحركات الدبلوماسية السرية، في محاولة لإعادة ترميم قواعد الردع دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. أما إذا تجاوزت الهجمات سقفاً معيناً من الخسائر البشرية، أو مست أهدافاً استراتيجية عالية القيمة، فإن المنطقة ستدخل مرحلة جديدة تختلف جذرياً عما عرفته طوال العقود الماضية...

إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام اختبار تاريخي؛ فإما أن تنتصر براغماتية الدول على اندفاعات القوة، وإما أن يصبح خطأ واحد في الحسابات كافياً لإشعال حريق لن يكون بمقدور أحد إخماده بسهولة.