
ترمب...
عندما تصبح شخصية الرئيس متغيرًا في أمن العالم.
في العلاقات الدولية، لا تصنع الدول سياساتها بالمؤسسات وحدها، بل قد تعيد شخصية القائد رسم مسارها بأكمله، وهذا ما يبدو جليًا في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث تتداخل الاعتبارات الشخصية مع القرارات الاستراتيجية بصورة تجعل من أسلوب القيادة نفسه عاملًا مؤثرًا في صناعة الأزمات الدولية...
في الملف الإيراني، تبدو هذه المقاربة أكثر وضوحًا، فالضربات العسكرية، رغم كثافتها، لم تُفضِ إلى تغيير جوهري في سلوك طهران أو إلى تحقيق الأهداف المعلنة، بل أسهمت في تعزيز خطاب التشدد داخل النظام الإيراني ومنحت قيادته فرصة لحشد الداخل تحت عنوان "مواجهة العدوان"...
وفي المقابل، لا تبدو التصريحات التي تتحدث عن إنجازات حاسمة منسجمة مع الوقائع الميدانية أو مع حجم الكلفة السياسية والاقتصادية المتزايدة...
المعضلة هنا هي أن ترمب لا يرغب في خوض حرب شاملة، لكنه في الوقت ذاته يرفض التراجع أو الإقرار بأن الخيارات العسكرية المحدودة قد لا تحقق النتائج المرجوة، وهكذا تجد المنطقة نفسها أمام حرب استنزاف مفتوحة، تتراجع فيها الأهداف الكبرى لتحل محلها أولويات أكثر تواضعًا، مثل حماية الملاحة في مضيق هرمز ومنع اتساع رقعة المواجهة...
ولا يقتصر هذا النمط على إيران؛ إذ يمكن ملاحظة السعي إلى حلول سريعة وصفقات سياسية في ملفات أخرى، من غزة إلى الحرب الروسية الأوكرانية، حيث يغلب التركيز على النتائج الآنية على حساب معالجة جذور الأزمات، وهو ما يجعل أي تهدئة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار...
والنتيجة أن العالم يدفع ثمن هذا النهج؛ فاضطراب أسواق الطاقة، وتهديد طرق التجارة، وتراجع ثقة الحلفاء، كلها عوامل تمنح القوى المنافسة، وفي مقدمتها روسيا والصين، فرصة لتوسيع نفوذها في نظام دولي يزداد هشاشة...
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في قوة الولايات المتحدة، بل في كيفية توظيف هذه القوة. فحين تصبح القرارات الكبرى رهينة الحسابات الشخصية أو المكاسب السياسية قصيرة الأمد، فإن هامش الخطأ يتسع، وتصبح كلفة المغامرة أعلى من كلفة التراجع...
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع المؤسسات الأمريكية أن توازن بين صلاحيات الرئيس ومتطلبات الأمن الدولي، أم أن العالم سيظل رهينة قرارات فردية قد تغير مسار أزمات تتجاوز حدود الولايات المتحدة إلى النظام الدولي بأسره؟