
سورية في مواجهة شريعة الغاب:
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم يعد المشهد السوري اليوم مجرد خلاف سياسي أو تباين في الرؤى حول شكل المستقبل، بل استحال مواجهة مصيرية علنية بين منطق الدولة الحاضنة وبين عصابات متفلتة تتغذى على الأحقاد وتقتات من بث الرعب في نفوس الآمنين، إن الهجمات العشوائية التي طالت أحياءً سكنية معينة تحت ذريعة تصفية حسابات طائفية أو معاقبة مجتمعات بأكملها بجريرة أفراد منها، لا تعكس رغبة في تحقيق العدالة، بل تكشف عن وحشية كامنة لدى مجموعات اعتادت الكراهية ولم تعد قادرة على التنفس إلا في مناخات التحريض والإقصاء...
والحقيقة المُرّة التي يجب أن يعيها الجميع هي أن قطار الإرهاب المجتمعي لا محطة نهائية له؛ فمن يستبيح جاره اليوم بذريعة الهوية أو الطائفة، لن يتورع غدًا عن استباحة أبناء جلدته وفصيلته إذا ما اختلفوا معه في رأي، أو تعارضت مصالحهم مع نزواته. إننا أمام جبهة عمياء من التطرف ستلتهم، إن تُركت بلا حسم، كل ما تبقى من النسيج السوري، وستخترع في كل مرحلة عدوًا وهميًا جديدًا لتبرير وجودها واستمرار فوضاها...
وفي خضم هذا المنزلق الخطير، تبرز الحقيقة الأكثر مرارة وتجليًا خلال الأيام القليلة الماضية:
" غياب الدولة وتراجع هيبتها"...
إن العجز الواضح في ضبط الشارع، وظهور هذه الجماعات بمظهر القادر على فرض الأمر الواقع وتحريك الجموع، يضع "الحكومة الانتقالية" أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية والسياسية بلا مساحيق تجميل،
وهنا يجب أن يقال الكلام بوضوح وقسوة لا تحتمل المواربة:
إن هذه القيادة الانتقالية باتت اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما أن تنهض بمسؤولياتها فورًا، وتضرب بيد من حديد فوق رؤوس هذه المجموعات الهمجية لتعيد للمواطن إيمانه بوجود سلطة وقانون، وإما أن تعلن بفشلٍ صريح عدم قدرتها على ضبط هذه القطعان المتفلتة وترجلها عن المشهد...
لذا:
فإن التواطؤ بالصمت، أو التردد في المواجهة خوفًا من حسابات الشارع، هو بمثابة تسليم صك ملكية البلاد للفوضى، وهو إقرار ضمني بأن السلطة أضعف من أن تحمي السوريين...
وعليه:
فإن الخطر المحدق بنا هو خطر وجودي يهدد فكرة "سورية" من أساسها، ولأن اللحظة الراهنة هي لحظة فاصلة بين البقاء والعدم، فإن صمت الغالبية الصامتة من السوريين لم يعد فضيلة، بل غدا شريان حياة يغذي المتطرفين، إن المراهنة على أن الأزمة ستحل نفسها، أو أن جهة ما ستنوب عن المجتمع في خوض معركة الوعي، هي وهم انتحاري...
شخصيا:
لا أدعو هذا المقال إلى امتشاق السلاح أو الانجرار نحو جولات اقتتال داخلي جديدة، فالسلاح في وجه السلاح هو كتابة السطر الأخير في مرثية الوطن، لكني ادعو لولادة جبهة مجتمعية عريضة ومنظمة، تجمع الشتات السوري من معتدلين ومثقفين وأصحاب ضمير، جبهة تؤمن بالمواطنة وتتكاتف لفرض صوت العقل والقانون، فعندما يدرك هؤلاء الغوغائيون أنهم يواجهون جدارًا صلبًا من الوعي والتلاحم الشعبي، وعندما يوقنون أن الدولة — إن وجدت — لن تتسامح مع إرهابهم، حينها فقط سيتراجعون إلى جحورهم...
إما أن يستعيد المعتدلون زمام المبادرة وينتزعوا مستقبلهم، أو يتركونه طواعية لمن لا يتقن سوى لغة الخراب.