--:--
ضحايا وجرحى في انفجار استهدف مقهى قرب القصر العدلي بدمشق

يموت الزمّار... وتبقى أصابعه تعزف... عقيدة الأمن في مواجهة غدر الإرهاب

Salah Kirata • ٢‏/٧‏/٢٠٢٦

53598.png

يموت الزمّار...
 وتبقى أصابعه تعزف...
عقيدة الأمن في مواجهة غدر الإرهاب.

يقول المثل الشعبي المصري:

 "يموت الزمّار وصوابعه بتلعب"...

 وليس المقصود به العازف وحده، بل كل إنسان تشربت المهنة روحه حتى غدت جزءاً من تكوينه، فلا يغادرها وإن غادرته الوظيفة، ولا تنطفئ جذوتها وإن أثقلته السنون...

اليوم، وأنا أتابع الجريمة الإرهابية التي استهدفت الأبرياء في قلب دمشق، بالقرب من القصر العدلي، لم أستطع أن أنظر إليها بعين المواطن وحدها، ولا بعين الكاتب الذي يكتفي بوصف المشهد ورثاء الضحايا، ففي داخلي ما زال يعيش ذلك "الزمّار" الذي أمضى معظم سنوات عمره في العمل الأمني، حتى أصبحت قراءة الأحداث وتحليلها غريزة تسبق التفكير، وتستيقظ تلقائياً كلما دوّى انفجار أو ارتفعت رائحة الدم...

هذه هي طبيعة رجل الأمن؛ قد يخلع بزته، وقد يغادر موقعه، وقد يحال إلى التقاعد، لكنه لا يتقاعد من اليقظة، فالحس الأمني ليس وظيفة تنتهي بقرار إداري، بل عقيدة تتجذر في العقل، وتصبح طريقة دائمة في قراءة الوقائع، وربط الخيوط، واستشراف ما وراء المشهد...

وأول ما استوقفني في هذه الجريمة أن الهدف لم يكن موقعاً عسكرياً، ولا مقراً أمنياً، ولا شخصية سياسية، بل مقهى شعبي متواضع يرتاده مواطنون بسطاء، ينتظرون دورهم في المحاكم، أو يستريحون من عناء مراجعة الدوائر الرسمية، وهذا الاختيار لا يمكن اعتباره عشوائياً؛ فهو يحمل بصمة الإرهاب التقليدية التي تبحث عن أكثر الأهداف هشاشة، لتوقع أكبر قدر من الضحايا، وتزرع الرعب في نفوس الناس، وتبعث برسالة مفادها أن الخوف يمكن أن يطال الجميع...

ومن منظور أمني:
فإن المعلومات المتداولة عن إلقاء القبض على مشتبه بهم أو إحباط عمليات إضافية ( إذا ما أكدتها الجهات المختصة ) قد تشير إلى أن الانفجار لم يكن سوى الحلقة الأولى في مخطط أوسع، يقوم على استدراج المواطنين وفرق الإسعاف والأجهزة الأمنية إلى مسرح الجريمة، قبل الانتقال إلى تنفيذ عمليات انتحارية أو تفجيرات متزامنة، في تكتيك إرهابي معروف يهدف إلى مضاعفة عدد الضحايا، وتعظيم الأثر النفسي، وإغراق المدينة في حالة من الفوضى والذعر...

وهنا تستيقظ في داخلي سنوات العمل الأمني، لأقرأ المشهد بعين الخبرة لا بعين الانفعال، فمن واقع معرفة طويلة بأساليب التنظيمات الإرهابية، فإن طبيعة الهدف، وأسلوب التنفيذ، ومحاولة تعظيم عدد الضحايا، كلها مؤشرات تجعل القراءة الأمنية تتجه  ( بوصفها فرضية تحليلية إلى حين اكتمال نتائج التحقيقات ) نحو التنظيمات الجهادية الراديكالية التي ما زالت تنشط في الساحة السورية، وفي مقدمتها تنظيم داعش، أو الجماعات المتشددة التي تتقاطع معه في الفكر والمنهج، والتي ترى في أي استقرار تشهده سورية هزيمة مباشرة لمشروعها القائم على الفوضى والإرهاب...

كما لا يمكن، من منظور أمني، إغفال احتمال تورط بعض المجموعات المتشددة التي تضم مقاتلين أجانب ممن وفدوا إلى سورية خلال سنوات الحرب تحت رايات وشعارات مختلفة، ثم وجدوا أنفسهم اليوم أمام تضييق متزايد على هامش حركتهم بفعل التحولات السياسية والضغوط الإقليمية والدولية، فهذه الجماعات تدرك أن تضاؤل نفوذها يعني نهاية مشروعها، ولذلك قد تلجأ إلى ما يمكن تسميته بـ"استراتيجية حرق المعبد"، أي تفجير المشهد الأمني برمته، وإعادة البلاد إلى دوامة الدم والفوضى، أملاً في خلط الأوراق، وإفشال أي مسار نحو الاستقرار...

ولا يعني ذلك إصدار أحكام مسبقة، فذلك من شأن التحقيقات والأدلة، لكنه يمثل قراءة أمنية تستند إلى الخبرة المتراكمة في دراسة سلوك التنظيمات الإرهابية، التي اعتادت أن تتحرك بعنف كلما شعرت بأن مساحات وجودها تضيق، وأن نهايتها تقترب...

إن الإرهاب:
 بطبيعته، لا يعترف بالهدن، ولا يعيش إلا في البيئات المضطربة، وكلما أحس بأن الخناق يشتد حوله، ازداد شراسة وعشوائية، لأنه يدرك أن خسارته الميدانية لا تعني نهاية مشروعه إلا إذا فقد أيضاً قدرته على بث الرعب في المجتمع، وكسر ثقة الناس بدولتهم ومؤسساتها...

ولعل أخطر ما في الإرهاب أنه لا يستهدف الأرواح فحسب، بل يستهدف المعنى ذاته؛ معنى الأمن، ومعنى الحياة الطبيعية، ومعنى الثقة بأن الدولة قادرة على حماية مواطنيها، إنه يريد أن يحوّل الخوف إلى حالة دائمة، وأن يجعل المواطن يتلفت حوله في كل شارع ومقهى وساحة...

غير أن ما تعلمته خلال سنوات عملي، وما ازددت يقيناً به بعد مغادرتي المهنة، هو أن المعركة مع الإرهاب ليست معركة سلاح فقط، بل معركة صبر ووعي ويقظة، فالإرهابي يراهن على لحظة غفلة، بينما تراهن الدولة على استمرارية الانتباه، وإذا انتصر الانتباه مرة واحدة، سقطت أشهر من التخطيط والتجنيد والتمويل...

ولذلك، وأنا أستعيد ذلك المثل الشعبي، أدرك أن "الزمّار" لا يموت حقاً، قد يشيب شعره، وقد يبتعد عن مواقع المسؤولية، لكن أصابعه تبقى تعزف اللحن ذاته؛ لحن اليقظة، وربط الخيوط، وقراءة ما وراء الظاهر، إنها ليست عادة مهنية، بل التزام أخلاقي تجاه وطن عرف معنى الإرهاب، ودفع ثمناً باهظاً في مواجهته...

رحم الله الضحايا، وشفى الجرحى، وحمى سورية من كل يد تمتد إليها بالقتل والترويع، وسيبقى الأمل قائماً ما دام في هذا الوطن رجال يؤمنون بأن الأمن ليس مجرد وظيفة، بل رسالة، وأن اليقظة ليست مهنة، بل عقيدة. فالزمّار قد يموت... لكن أصابعه ستبقى تعزف، ما بقي في هذا الوطن من يؤمن أن حماية الإنسان شرف، وأن حماية الوطن أقدس الواجبات.