
الهدوء الذي يسبق العاصفة...
لماذا أوقف ترمب الغارات على إيران؟.
في العلاقات الدولية لا تُقاس القرارات بما يبدو على سطحها، بل بما تخفيه من رسائل. وعندما يقرر رئيس الولايات المتحدة إيقاف حملة عسكرية استمرت ثلاثة عشر يوماً متواصلة، فإن السؤال الحقيقي لا يكون:
- لماذا توقفت الضربات؟..
بل:
- إلى أين تريد واشنطن أن تصل بعد أن توقفت؟..
بحسب المعطيات المتداولة، امتنع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن منح الموافقة اليومية التي كانت تسمح للقيادة المركزية الأمريكية بتنفيذ غارات جديدة داخل إيران، رغم بقاء القوات الأمريكية في أعلى درجات الجاهزية، واستمرار تحديث الخطط العسكرية تحسباً لأي قرار مفاجئ بالعودة إلى العمليات...
قد يعتقد البعض أن واشنطن بدأت تتراجع، لكني بقراءة استراتيجية ارى العكس تماماً:
فالولايات المتحدة لم تُوقف الحرب لأنها عجزت عن مواصلتها، وإنما لأنها أنجزت المرحلة الأولى منها، لقد استهدفت معظم الأهداف العسكرية ذات القيمة التكتيكية:
منظومات الرصد، ومستودعات المسيّرات، ومنصات الإطلاق، ومراكز القيادة والسيطرة، وبعد هذا المستوى من الاستنزاف، تصبح الضربات المتكررة أقل مردوداً وأكثر كلفة، بينما يقترب أي تصعيد جديد من استهداف البنية التحتية الاستراتيجية للدولة الإيرانية، وهو قرار لا يعود عسكرياً فحسب، بل سياسياً وجيوسياسياً بامتياز...

* وهنا يتجلى جوهر القرار الأمريكي:
فالبيت الأبيض لا يريد اليوم حرباً شاملة، لكنه يريد أن يُقنع طهران بأنه مستعد لها إذا فشلت السياسة، ومن هنا جاء تعليق الضربات بوصفه أداة ضغط لا علامة تراجع؛ إذ تمنح واشنطن خصمها فرصة أخيرة لاختبار جدية المسار الدبلوماسي الذي تقوده سلطنة عُمان، ولا سيما في ما يتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، ووقف التصعيد الذي يهدد الاقتصاد العالمي بأسره...
إنها معادلة تقوم على مبدأ بسيط: ( السيف ما زال في الغمد، لكنه لم يعد إلى المخزن )...
ومن الخطأ الاعتقاد أن الهدوء الحالي يعكس تراجعاً في الإرادة الأمريكية، فالجيوش لا تبقى في حالة استنفار قصوى من أجل مراقبة الأحداث فقط، بل لأنها تستعد للاحتمال الأسوأ. ولهذا تواصل القيادة العسكرية إعداد خيارات هجومية أشمل، إذا ما انهارت الجهود السياسية أو وقع خطأ ميداني يعيد إشعال المواجهة...
وفي تقديري، تقف المنطقة اليوم أمام ثلاثة احتمالات رئيسية:
الأول:
وهو الأقرب زمنياً، نجاح الوساطة العُمانية في إنتاج تفاهم مؤقت يضمن حرية الملاحة ويخفض مستوى الاحتكاك العسكري، بما يسمح لجميع الأطراف بإعلان مكاسب سياسية دون خسارة ماء الوجه...
الثاني:
فشل المفاوضات مع العودة إلى سياسة الضربات المحدودة والاستنزاف المتبادل، وهي سياسة لا تحسم الصراع لكنها تمنع انفجاره الكامل...
أما الاحتمال الثالث:
فهو الأكثر خطورة، ويتمثل في وقوع خطأ في الحسابات أو تصعيد مباشر ضد القوات أو المصالح الأمريكية، عندها لن تعود واشنطن إلى الضربات التكتيكية السابقة، بل قد تنتقل إلى استهداف البنية الاقتصادية والاستراتيجية الإيرانية، بما ينقل الصراع من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة كسر الإرادات...
ولعل أخطر ما في المشهد أن جميع الأطراف تدرك حجم الكلفة، لكنها تدرك أيضاً أن التراجع بلا مقابل قد يكون أكثر كلفة من المواجهة نفسها...
لهذا:
فإن قرار ترمب لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إعلان تهدئة، بل باعتباره إعادة تموضع بين مرحلتين؛ مرحلة استخدمت فيها القوة لرسم حدود التفاوض، ومرحلة يُراد فيها للتفاوض أن يحدد حدود القوة...
الخلاصة:
أن ما يجري ليس نهاية المواجهة، بل انتقالها من سماء الطائرات إلى طاولات السياسة، فإذا نجحت الدبلوماسية، تكون المنطقة قد تجاوزت واحدة من أخطر لحظاتها منذ سنوات. أما إذا أخفقت، فإن الضربات المقبلة لن تكون امتداداً لما سبق، بل بداية فصل جديد أكثر عنفاً واتساعاً، لأن الحروب الكبرى لا تبدأ عادة عندما تتساقط الصواريخ، وإنما عندما يفقد الخصوم إيمانهم بجدوى التفاوض.