
مطالعة قانونية بشأن مشروع قانون العزل السياسي في الجمهورية العربية السورية :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لقد اطلعت على مايتم تداوله على أنه مشروع الحكومة الانتقالية يبدو أنها ستفتح به إجراءاتها الإقصائية والتعسفية القمعية، حيث عجّْت وسائط التواصل الاجتماعي لمسودة قانون يوصف بـ ( قانون الحظر السياسي ) لذلك أردت أن أدلي بدلوي معلقا على ما هو مسرب من مشروع قانون، بما هو مناهض ومخالف وداحض لما يتم تداوله، علما اني لست متأثرا لا أنا ولا اسرتي الصغيرة ولا الكبيرة ولا حتى اصدقائي ومعارفي ومنهم من حمل أعباء المسؤولية على كتفيه لأننا كلنا في عمر التقاعد وسنوصي احفادنا بأن يصيغوا قانونا نسخة عن المسودة الحالية التي يقال إن الحكومة الانتقالية هي من اعددته، ليطبق على أركانها في يوم قادم قد لايكون بعيد.
عنوان:
( بين مقتضيات العدالة الانتقالية ومخاطر الإقصاء الجماعي)...
مقدمة:
إن العدالة الانتقالية ليست انتقامًا سياسيًا، وليست وسيلة لتصفية الحسابات مع حقبة مضت، وإنما هي منظومة قانونية وأخلاقية هدفها كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وجبر ضرر الضحايا، وإصلاح مؤسسات الدولة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات...
ومن هذا المنطلق، فإن أي مشروع قانون للعزل السياسي يجب أن يُقاس بمدى انسجامه مع المبادئ الدستورية العامة، والقواعد المستقرة في القانون الدولي لحقوق الإنسان، ومعايير العدالة الانتقالية التي أرستها الأمم المتحدة، لا بمدى قدرته على إرضاء نزعة الغضب أو تحقيق مكاسب سياسية مؤقتة.
وبعد الاطلاع على مسودة مشروع قانون العزل السياسي المتداولة، يتبين أنها، بصيغتها الحالية، تتجاوز حدود العزل السياسي المشروع، لتقترب من نظام قانوني يقوم على الإقصاء الجماعي، ويؤسس لمسؤولية جماعية تتعارض مع أبسط المبادئ القانونية المستقرة...
أولاً:
مخالفة المشروع لمبدأ شخصية المسؤولية، دون الأصل في جميع الأنظمة القانونية أن المسؤولية شخصية، وعليه لا يجوز أن يسأل إنسان عن فعل غيره، ولا يجوز افتراض الجريمة من مجرد الوظيفة أو الرتبة أو الانتماء الإداري، لأن شغل وظيفة عامة، أو تولي منصب إداري، أو العمل في إحدى مؤسسات الدولة، لا يشكل بذاته فعلاً مجرماً، ولا يجوز أن يصبح سببًا للحرمان من الحقوق السياسية دون إثبات مساهمة فعلية في ارتكاب الجرائم أو التحريض عليها أو التستر عليها، لأن القانون يعاقب على الأفعال، لا على الصفات...
ثانياً:
تحويل الوظيفة العامة إلى قرينة إدانة اذ تعاملت مسودة مشروع القانون المسربة على افتراض أن مجرد تولي بعض المناصب أو الرتب يكفي لحرمان صاحبها من حقوقه السياسية، وهذا الافتراض يهدم قرينة البراءة التي تعد من المبادئ الدستورية الراسخة، فالوظيفة العامة ليست دليلاً على الإجرام، كما أن الرتبة العسكرية ليست دليلاً على المشاركة في الجرائم، فكم من موظف أو ضابط بقي في عمله لأنه لم يكن يملك خيارًا آخر، وكم من مسؤول رفض تنفيذ أوامر غير مشروعة، وكم من موظف ساعد المواطنين بصمت رغم عمله داخل مؤسسات الدولة، لذا لا يجوز أن يوضع هؤلاء جميعًا في سلة واحدة مع مرتكبي الجرائم...
ثالثاً:
معلوم ان العقوبة الجماعية تتعارض مع العدالة الانتقالية، كون العدالة الانتقالية في أي تجربة ناجحة لايجوز أن تعتمد مبدأ معاقبة ملايين المواطنين بسبب انتمائهم الوظيفي...
- ففي جنوب أفريقيا لم يُعزل جميع موظفي الدولة...
- وفي أوروبا الشرقية لم يُقص جميع أعضاء الأحزاب الحاكمة...
بل كان المعيار هو مدى المشاركة الفعلية في القمع أو الانتهاكات الجسيمة...
أما التوسع في العزل ليشمل شرائح واسعة، فإنه يحول القانون من أداة إصلاح إلى وسيلة إقصاء سياسي...
رابعاً:
تهديد السلم الأهلي، لأن إقصاء مئات الآلاف أو ملايين السوريين من المشاركة في الحياة العامة لن يؤدي إلى ترسيخ الاستقرار، وإنما قد يخلق شعورًا واسعًا بالتمييز والظلم، فالدول لا تُبنى بإنتاج مهزومين سياسيًا، وإنما ببناء مواطنين متساوين أمام القانون وكءا فإن الانتقال الديمقراطي الحقيقي لا يتحقق بإلغاء جزء من المجتمع، وإنما بإخضاع الجميع للقانون نفسه...
خامساً:
مخالفة مبدأ المساواة إذ لابد بالمشروع أن يفترض أن أشخاصًا متساوين في المركز القانوني يعاملون معاملة مختلفة بسبب مناصبهم السابقة، دون النظر إلى سلوك كل واحد منهم، وهذا يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون، ويؤدي إلى نتائج قد تكون شديدة القسوة بحق أشخاص لم تثبت بحقهم أي مسؤولية قانونية أو جنائية...
سادساً:
غياب التناسب، اقصد أن العزل السياسي تدبير استثنائي يجب أن يكون محددًا وضروريًا ومتناسبًا، أما التوسع في الفئات المشمولة دون تمييز، ولفترات طويلة، فيفقد هذا التدبير صفته الاستثنائية، ويجعله عقوبة جماعية ذات آثار سياسية واجتماعية عميقة...
سابعاً:
الطريق الصحيح، لذا فإني أرى أن الطريق السليم ليس إلغاء مشروع العزل السياسي من أساسه، وإنما إعادة صياغته وفق الضوابط الآتية:
- قصر العزل على من تثبت مسؤوليته الفردية عن الجرائم الجسيمة أو تقويض النظام الديمقراطي...
- منع أي عزل تلقائي بسبب الوظيفة أو الرتبة أو الانتماء السابق...
- اشتراط قرار صادر عن جهة قضائية مستقلة بعد تمكين الشخص من الدفاع عن نفسه...
- ضمان حق الطعن أمام القضاء...
- تحديد مدة معقولة للعزل مع إمكانية رفعه إذا زالت أسبابه...
- استبعاد جميع صور المسؤولية الجماعية...
ختاماً:
إن سورية الجديدة تحتاج إلى العدالة أكثر مما تحتاج إلى الانتقام، وإلى دولة قانون أكثر مما تحتاج إلى قوانين استثنائية...
فإذا تحول قانون العزل السياسي إلى أداة لإقصاء فئات واسعة من السوريين، فإنه لن يمنع عودة الاستبداد، بل قد يخلق مظالم جديدة، ويؤسس لانقسام وطني طويل الأمد...
لذا:
فإن الضمانة الحقيقية لعدم تكرار الماضي ليست حرمان المواطنين من حقوقهم السياسية بسبب وظائفهم السابقة، وإنما بناء قضاء مستقل، ومحاسبة المجرمين الحقيقيين، وصيانة الحقوق والحريات، وترسيخ مبدأ أن المسؤولية شخصية، وأن العدالة لا تقوم إلا على الدليل، لا على الانتماء، ولا على الوظيفة، ولا على الافتراض.