قانون العزل السياسي في سورية... حين يتحول ضمان عدم التكرار إلى مشروع إقصاء وطني

Salah Kirata • ٢٥‏/٧‏/٢٠٢٦

61067.png

قانون العزل السياسي في سورية... حين يتحول ضمان عدم التكرار إلى مشروع إقصاء وطني.

د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليس من حق أحد أن يطالب بإعادة إنتاج الاستبداد، كما ليس من حق أحد أن يحرم الضحايا من العدالة، لكن ليس من حق الدولة أيضًا أن تستبدل الظلم بظلم آخر، أو أن تجعل من العدالة الانتقالية أداة لإقصاء ملايين السوريين تحت مسمى "العزل السياسي"...

إذا كانت الغاية من مشروع قانون العزل السياسي حماية الدولة الجديدة من عودة منظومة الاستبداد، فإن الوسيلة المقترحة، وفق الصيغة المتداولة، تثير إشكالات قانونية ودستورية عميقة تستوجب إعادة النظر فيها قبل إقرارها...

فالعزل السياسي في الفقه الدستوري ليس عقوبة جماعية، وإنما تدبير استثنائي و ( احترازي ) ومؤقت يطال أفرادًا ثبتت مسؤوليتهم الشخصية عن تقويض النظام الديمقراطي أو ارتكاب انتهاكات جسيمة. أما أن يمتد أثره ليشمل فئات واسعة لمجرد شغلها وظائف عامة أو انتمائها إلى مؤسسات الدولة، فإن ذلك يخرج من دائرة العدالة إلى دائرة الإقصاء...

إن الدولة السورية، طوال عقود، كانت توظف مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين، وكان الانتماء إلى بعض المؤسسات أو الأحزاب شرطًا عمليًا للحصول على الوظيفة أو الاستمرار فيها، ولا يجوز قانونًا أو أخلاقًا مساواة من اضطر إلى العمل داخل مؤسسات الدولة بمن خطط للجرائم أو أمر بها أو نفذها أو حرض عليها...

إن المسؤولية في القانون شخصية، وليست جماعية، وهذا مبدأ راسخ في التشريعات الوطنية والمواثيق الدولية، فلا يجوز أن يصبح المنصب قرينة على الإدانة، ولا أن يتحول الانتماء الوظيفي إلى دليل على المشاركة في الجرائم...

كما أن أي قانون يعزل شريحة واسعة من السوريين عن الحياة العامة لعشر سنوات أو أكثر، دون أحكام قضائية فردية ودون إثبات أفعال محددة، لن يحقق المصالحة الوطنية، بل سيخلق إحساسًا جماعيًا بالظلم، ويؤسس لانقسام سياسي واجتماعي طويل الأمد...

إن العدالة الانتقالية لا تُبنى على الانتقام، ولا على العقوبات الجماعية، وإنما على كشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين الحقيقيين، وجبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، مع احترام الحقوق الدستورية لكل مواطن لم تثبت مسؤوليته الشخصية.

ولذلك، فإن المطلوب ليس رفض فكرة العزل السياسي من حيث المبدأ، وإنما إعادة صياغتها بحيث تقتصر على من تثبت مسؤوليته الفردية بقرار قضائي أو وفق إجراءات قانونية عادلة، مع ضمان حق الدفاع والطعن، وعدم الاكتفاء بالصفة الوظيفية أو الانتماء التنظيمي كأساس للإقصاء...

إن سورية الجديدة لن تبنى بإقصاء ملايين السوريين، وإنما ببناء دولة قانون يكون فيها القضاء هو الفيصل، لا الانتماءات، ولا الوظائف السابقة، ولا المسؤولية الجماعية...

فإذا تحول قانون العزل السياسي إلى قانون للإلغاء والإقصاء، فإنه لن يحمي الديمقراطية، بل سيؤسس لمظالم جديدة قد تورث الأجيال القادمة انقسامات لا تقل خطورة عن تلك التي يسعى القانون إلى معالجتها.