
دير الزور...
حين تقتل الإبرة المفقودة أكثر مما يقتل الحادث.
لم تكن الفاجعة التي هزّت دير الزور مجرد حادث سير أودى بحياة العشرات، بل كانت محاكمة دامغة لمنظومة صحية أنهكها الإهمال حتى أصبحت عاجزة عن إنقاذ من نجا من الموت على الطريق...
المأساة الحقيقية بدأت عندما وصل المصابون إلى المشفى الوحيد في المحافظة، فاكتشفوا أن أبواب النجاة موصدة بنقص الكوادر، وغياب التجهيزات، وانعدام أبسط مستلزمات الإسعاف، حتى قيل إن الإبر والحقن الأساسية لم تكن متوفرة. عندها لم يعد القاتل هو الحادث وحده، بل الإهمال أيضاً...
أي دولة تُقاس بقدرتها على حماية حياة مواطنيها في لحظات الشدة، لا بعدد المشاريع الشكلية التي تتباهى بها، فلا قيمة لأي إنجاز إذا كان الجريح يموت لأن سرير العناية غير موجود، أو لأن طبيباً مختصاً غائب، أو لأن دواءً بسيطاً غير متوافر...
دير الزور لا تحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مستشفى حديث، وأطباء أكفاء، وأجهزة إنعاش، ومخزون دوائي يكفي لمواجهة الكوارث، كون الإنسان يجب أن يكون أولوية الدولة الأولى، لأن الأوطان تُبنى بصحة أبنائها قبل أي شيء آخر...
إن موت إنسان بسبب إبرة مفقودة ليس قدراً، بل نتيجة مباشرة لسوء ترتيب الأولويات، وهذه الفاجعة يجب أن تكون جرس إنذار يدفع إلى مراجعة شاملة لسياسات القطاع الصحي، حتى لا يبقى السوري يموت مرتين؛ مرة على الطريق، ومرة على باب المستشفى.