
الإسلام في عصرنا الحالي لايمكن أن يكون مشروع سلطة…
و"التأسلم" هو الخطر حين يتحول الدين إلى أداة حكم:
ليس كل من رفع شعار الدين كان أقرب إلى جوهره، ولا كل من طالب بـ"الدولة الإسلامية" كان أكثر تمسكًا بالإسلام، بل إن أخطر ما أصاب التجربة التاريخية والسياسية في العالم الإسلامي هو ذلك الخلط المتعمد بين الإيمان بوصفه علاقة بين الإنسان وربه، وبين السلطة بوصفها أداة إدارة وصراع ومصالح...
لقد خاضت الأمة العربية معاركها الكبرى عبر التاريخ"من مواجهة التتار إلى صد الحملات الصليبية، ومن معارك التحرير الحديثة إلى صراعات الاستقلال" ولم يكن معيار الانتصار أو الهزيمة يومًا مرهونًا بشعار سياسي اسمه "الدولة الدينية"، ودونكم هنا الثورة السورية الكبرى عام ١٩٢٥ فستجدون سلطان باشا وإبراهيم هنانو وصالح العلي وحسن الخراط، وهؤلاء ومن كان معهم كان يجمعهم وطن لا دين، أصبح ملعونا ولعينا لما سيسه البريطانيون بتشكيل جماعة ( الإخوان المسلمين) التي أنتجت أقذر وأرخص مواعيدها منذ ثلاثينات القرن الماضي وهم جماعة "احمدنا" السورية وهم جماعات من السوقى والرعاع والحاقدين على كل قيمة مدنية تدعو للاخاء والعدالة الاجتماعية في ظل دولة القانون والمواطنة...
لقد كانت الدول ومنها سورية لما خاضت غمار نضالها التحرري في سياقاته الوطنيةقائمة، بمدنيتها وإدارتها وتعدد مكوناتها، ولم يكن الدافع الأعمق عند الناس هو الانتماء الديني والإيمان، وطبعا لم تكن الغاية لتحويل الدين إلى جهاز حكم مغلق، كما يريد جماعة ( احمدنا ) السورية التي هي من اوائل من يدق أسافين بين السوريين وسلطة الشرع الانتقالية، ليس هذا فقط بل هم بغبائهم وانغلاقهم وإيمانهم بمفهوم ( الغلبة ) يدقون المسامير في نعش الدولة الحالية...
اصدقائي :
حين يتحول الإسلام من عقيدة جامعة وقيم أخلاقية وروحية، إلى مشروع سلطة تحتكره جماعة أو تنظيم أو حزب، يبدأ ما يمكن تسميته بـ"التأسلم السياسي" وهو ليس تعبيرًا عن التدين، بل عن توظيف التدين في الصراع على السلطة...
للعلم:
فإن هذا " التأسلم " لا يقدم الإسلام، بل يقدم نسخة سياسية منه، مختزلة، حادة، انتقائية، تستخدم النصوص كأدوات تعبئة، لا كمنظومة هداية، والنتيجة دائمًا واحدة وهي:
إضعاف الدولة بدل بنائها، وتمزيق المجتمع بدل توحيده، وتحويل الاختلاف السياسي إلى صراع ديني، ثم إلى صراع وجودي لا يعترف بالآخر...
لذا:
فإن التاريخ الإسلامي نفسه"حين نُنظر إليه بلا انتقائية"يؤكد أن الإسلام عاش كدين وحضارة وثقافة في ظل دول متعددة الأشكال، ملكيات، سلطانات، إمارات، وخلافات، ولم يكن الشكل السياسي يومًا معيار الإيمان أو عدمه، بل إن فترات طويلة من الازدهار العلمي والفقهي والثقافي جاءت في ظل أنظمة لم تكن "مثالية" من منظور التنظير الديني السياسي...
معلوم على ما اظن :
أن المشكلة ليست في الدين، بل في تحويله إلى مشروع احتكار سياسي، فحين يُقال للناس إن الإسلام لا يقوم إلا عبر "دولة دينية" وهذا ما لم تقبله لسورية، ليا كانت التكلفة غالية لأنه يفتح الباب أمام احتكار الحقيقة، وإقصاء المخالف، وتبرير العنف باسم المقدس وهنا بالضبط يولد التطرف: "من لحظة اختزال الدين في السلطة"...
إن أخطر ما في الجماعات الراديكالية أنها لا تكتفي بفهم الإسلام، بل تعيد تعريفه بما يخدم مشروعها، إذ تجعل من الدولة هدفًا مقدسًا، ومن السلطة عبادة، ومن الخصومة السياسية كفرًا أو خيانة. وهكذا يتحول الدين من مساحة رحمة وضمير، إلى جهاز تعبئة وصدام...
الإسلام كما أفهمه لايجوز أن يكون يومًا مشروع إكراه سياسي، بل يفترض أن يكون منظومة قيم:
" عدل، رحمة، مسؤولية، ووعي أخلاقي"...
وكل محاولة لاحتكاره داخل إطار سياسي مغلق هي في حقيقتها إفقار له قبل أن تكون إفقارًا للمجتمع...
لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات اليوم ليس غياب التدين، بل تضخم "التدين السياسي" وهو مايسعى إليه ( حوش ) سورية من اقصائيين و مغيبين وجدوا مكانا خصبا لحقدهم الاسود في جماعة ( احمدنا ) حيث ترفع الشعارات الكبرى بينما يمارس أبشع أشكال التوظيف والاختزال، هذا هو "التأسلم" الذي يجب أن يُفكك فكريًا لا أن يُساير، وأن يُناقش بوضوح لا أن يُجامل...
إن حماية الدين من السياسة المتوحشة لا تعني إقصاءه من الحياة، بل تعني تحريره من الاستغلال، وحماية الدولة لا تكون بتديينها، بل بإبقائها إطارًا جامعًا لكل المواطنين على اختلاف معتقداتهم، بينما يبقى الإيمان شأناً شخصيًا عميقًا لا يحتاج إلى سلطة كي يكون صادقًا...
في النهاية:
ليست المشكلة في الإسلام، بل في من يحاول تحويله إلى أداة حكم، وليست المشكلة في الإيمان، بل في من يريد احتكاره، وبين الدين كقيمة، والتدين كأداة سياسية، تتحدد معركة الوعي الحقيقية في عالمنا اليوم.