بين العدالة والانتقام: سورية أمام أخطر امتحان بعد سقوط الاستبداد

Salah Kirata • ٢٥‏/٦‏/٢٠٢٦

51226.png

بين العدالة والانتقام: 
سورية أمام أخطر امتحان بعد سقوط الاستبداد.

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

ليست المشكلة في أن السوريين يطالبون بالعدالة، بل في الكيفية التي يمكن أن تتحول بها هذه المطالبة المشروعة إلى أداة لهدم ما تبقى من المجتمع والدولة، فبعد سنوات طويلة من القمع والحروب والانتهاكات، يبدو طبيعياً أن ترتفع أصوات الضحايا وعائلاتهم مطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتُكبت خلال العقود الماضية. لكن ما حذّرت منه منظمة "هيومن رايتس ووتش" في بيانها الأخير يسلط الضوء على خطر حقيقي يتجاوز حدود السياسة والقانون، ليصل إلى جوهر مستقبل سوريا ووحدتها الوطنية...

فخلال الأيام الأخيرة:
 شهدت عدة مناطق سورية مظاهرات واسعة رفعت شعارات العدالة والمحاسبة، وهي مطالب لا يمكن لأي إنسان منصف أن يعترض عليها، غير أن بعض هذه التحركات انحرفت عن مسارها، عندما تحولت من ملاحقة المسؤوليات الفردية إلى استهداف جماعات وأحياء بأكملها على أساس الانتماء الطائفي أو الارتباط المفترض بالنظام السابق. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية...

إن العدالة تفقد معناها عندما تتحول إلى انتقام، وتفقد مشروعيتها عندما تصبح عقاباً جماعياً، فالمحاسبة القانونية تقوم على تحديد المسؤولية الفردية وإثباتها بالأدلة أمام قضاء مستقل، بينما يقوم الانتقام على تعميم التهمة وتحويلها من فعل ارتكبه شخص إلى هوية يحملها مجتمع بأكمله، وبين هذين المفهومين تقف سوريا اليوم على مفترق طرق خطير...

لذا:
إن ما جرى في بعض أحياء دمشق ويمكن أن يجري لاحقا فيها أو بيوتها من المدن السورية، وما وثقته المنظمة من اعتداءات على مدنيين وممتلكات، وما شهدته بعض مناطق الشمال السوري من أعمال قتل وسحل خارج إطار القانون، ليست مجرد حوادث معزولة يمكن تجاوزها بوصفها ردود فعل غاضبة. إنها مؤشرات على خطر أعمق يتمثل في انهيار الحدود الفاصلة بين العدالة والثأر، وعندما تصبح الشوارع ساحات للمحاكمة، والحشود بديلاً عن القضاء، فإن المجتمع يدخل تدريجياً في دوامة لا نهاية لها من العنف المتبادل...
معلوم:
أن  سورية دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الانقسامات الطائفية والسياسية التي غذتها سنوات الصراع، ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو إعادة إنتاج هذه الانقسامات تحت شعارات جديدة. فاستهداف الأفراد بسبب انتمائهم المذهبي أو مكان سكنهم لا يختلف في جوهره عن أي شكل آخر من أشكال التمييز الجماعي. ومن المؤلم أن تتحول مطالب الحرية والكرامة والعدالة إلى ممارسات تنسف هذه القيم نفسها...

وفي التجارب الدولية كافة، لم تنجح العدالة الانتقالية إلا عندما استطاعت الدول الفصل بين حق الضحايا في المحاسبة وحق المتهمين في المحاكمة العادلة...
- فجنوب أفريقيا لم تتجاوز إرث الفصل العنصري عبر الانتقام من البيض...
-  ورواندا لم تتمكن من الخروج من آثار الإبادة الجماعية إلا بعد بناء منظومة قضائية ومجتمعية تحاسب الجناة كأفراد لا كجماعات...
 أما المجتمعات التي استسلمت لمنطق الثأر الجماعي فقد وجدت نفسها عالقة في حلقات متجددة من الدم والكراهية...

اخيرا :
للحكومة الانتقالية ولجماعة ( احمدنا ) تحديدا اقول :

من هنا تبرز مسؤولية السلطات الانتقالية والقوى المحلية والقيادات المجتمعية والدينية، فحماية الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم ليست دفاعاً عنهم، بل دفاع عن مبدأ القانون نفسه، وإذا كانت الدولة عاجزة عن حماية من يُتهمون اليوم، فلن تكون قادرة غداً على حماية أي مواطن آخر. فالعدالة لا تُقاس بطريقة التعامل مع الأبرياء، بل بطريقة التعامل مع المتهمين والمكروهين والخصوم...

لذا ارفع الصوت واقول :
- إن السوريين يحتاجون اليوم إلى دولة قانون أكثر من حاجتهم إلى شعارات الغضب، فهم يحتاجون إلى محاكم مستقلة، وهيئات تحقيق نزيهة، وآليات واضحة للعدالة الانتقالية تكشف الحقيقة، وتحاسب المجرمين، وتنصف الضحايا، دون أن تجر البلاد إلى حرب جديدة بأسماء مختلفة...
- لقد آن الأوان لإدراك حقيقة بسيطة لكنها حاسمة وهي :
" أنه لا يمكن بناء سورية الجديدة على أساس الانتقام، فالعدالة التي تُولد من رحم الكراهية تتحول سريعاً إلى ظلم جديد، أما العدالة التي تقوم على القانون والإنصاف فهي وحدها القادرة على تضميد الجراح وفتح الطريق نحو مستقبل مختلف"...
لذا:
فإن المعركة الحقيقية في سورية اليوم ليست بين مؤيدي النظام السابق ومعارضيه، ولا بين طائفة وأخرى، بل بين منطق الدولة ومنطق الحشود، بين حكم القانون وحكم الغضب. وإذا خسر السوريون هذه المعركة، فإنهم لن يخسروا فرصة العدالة فقط، بل قد يخسرون فرصة السلام نفسه.