بين فخاخ الغلبة والوطن الذبيح: تأملات في ثقافة الانقسام السوري

Salah Kirata • ٢٥‏/٦‏/٢٠٢٦

45167.png

بين فخاخ الغلبة والوطن الذبيح: تأملات في ثقافة الانقسام السوري.

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

لا تبدأ الحروب الأهلية يوم تُطلق الرصاصة الأولى، ولا حين تتحرك الدبابات نحو المدن والقرى، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات طويلة في أعماق النفوس، عندما يضيق معنى الوطن حتى يصبح أصغر من أن يتسع لجميع أبنائه. تبدأ حين تتحول الهوية الوطنية الجامعة إلى هوية فرعية ضيقة، وحين يصبح الانتماء للطائفة أو العشيرة أو الجماعة السياسية أعلى منزلة من الانتماء للوطن نفسه...

في الحالة السورية، لا يبدو الدمار المادي الذي خلفته سنوات الحرب هو التحدي الأكبر، على فداحته، بل إن الخطر الحقيقي يكمن في الخراب الذي أصاب البنية الثقافية والاجتماعية والنفسية للمجتمع، فالمباني يمكن إعادة بنائها، والطرق يمكن إصلاحها، أما الثقة بين الناس إذا انهارت، والروابط الوطنية إذا تمزقت، فإن إعادة ترميمها تحتاج إلى أجيال كاملة...

لقد أثبتت السنوات الماضية أن ثقافة "الغلبة" ما تزال حاضرة بقوة في العقل السياسي والاجتماعي السوري، وهي ثقافة تقوم على الاعتقاد بأن انتصار طرف لا يكتمل إلا بهزيمة الآخر، وأن الشراكة ضعف، والتسوية تنازل، والتوافق هزيمة مقنّعة. ونتيجة لذلك، ورغم تراجع أصوات المدافع في كثير من المناطق، ما يزال صدى الحرب يتردد في العقول والوجدان، حيث ينظر كثيرون إلى أبناء وطنهم بوصفهم خصوماً دائمين، لا شركاء في المصير...

وتتجلى هذه الأزمة في أنماط سلوكية وخطابية عاجزة عن الارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية والتاريخية، فقد ترسخ في الوعي الجمعي مفهوم مدمر وقسري يقوم على ثنائية حادة: "نحن" و"هم"، هذه الثنائية ألغت المساحات المشتركة، ومحت مناطق التداخل الإنساني والاجتماعي التي كانت تشكل جوهر الشخصية السورية عبر قرون طويلة، وبدلاً من النظر إلى التنوع السوري بوصفه مصدر غنى وقوة، جرى اختزاله في قوالب طائفية ومناطقية وإثنية ضيقة، حوّلت الاختلاف الطبيعي إلى مصدر خوف وعداء...

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جاء خطاب الكراهية ليزيد المشهد قتامة، فمع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتراجع الضوابط الأخلاقية والسياسية، أصبحت منصات الحوار ساحات مفتوحة لتبادل الاتهامات وإعادة إنتاج الأحقاد القديمة واستحضار الجراح التاريخية بطريقة انتقائية تخدم الانقسام بدلاً من معالجته. وهكذا تحولت الكلمات إلى ذخيرة جديدة، وأصبحت الشتائم والتحريض والتخوين امتداداً معنوياً للحرب المسلحة...

إن إحدى أكثر الظواهر خطورة في الثقافة السورية المعاصرة هي هذا الانقلاب القيمي الذي جعل السلوك المَرَضي أكثر حضوراً وجاذبية من السلوك الصحي. فبدلاً من تشجيع العقلانية والحوار والنقد المسؤول، يجري في كثير من الأحيان تمجيد التشفي والانتقام وتغذية المظلوميات التاريخية، وبدلاً من البحث عن حلول واقعية تداوي الجراح وتؤسس لمستقبل مشترك، ينشغل كثيرون بإعادة فتح ملفات الماضي لا بهدف الفهم والمصالحة، بل بهدف تسجيل النقاط وإدامة الصراع...

لقد كشفت الحرب السورية، بكل قسوتها، عن أزمة عميقة في مفهوم الهوية والانتماء، فقد ظهر بوضوح أن قطاعات واسعة من المجتمع قدمت الانتماءات الفرعية على الانتماء الوطني، وقدمت الطائفة على الدولة، والجماعة على المجتمع، والمصلحة الفئوية على المصلحة العامة، وفي كثير من الحالات، لم يعد الدين يؤدي دوره الأخلاقي والإنساني الجامع، بل جرى توظيفه في الصراعات السياسية والطائفية، فتحول من رسالة روحية تدعو إلى الرحمة والعدل إلى أداة تعبئة واستقطاب وإقصاء...

وفي خضم هذا الانهيار المتدرج، تراجعت "سورية" كفكرة جامعة، وكإطار سياسي وأخلاقي يتسع لجميع مواطنيها، لتحل محلها هويات صغرى متناحرة تتعامل مع الوطن بوصفه غنيمة أو ساحة نفوذ لا بوصفه بيتاً مشتركاً للجميع...

لذا :
فإن الاستمرار في هذا النمط من التفكير والسلوك لا يهدد الحاضر فقط، بل يضع مستقبل البلاد بأكمله على المحك من خلال :

أولاً: 
التفتيت الدائم للمجتمع، فغياب مفهوم المواطنة المتساوية لصالح الولاءات الطائفية والمناطقية يجعل خطوط التماس التي رسمتها الحرب قابلة للتحول إلى حدود نفسية واجتماعية دائمة، وقد تبدو الدولة موحدة على الخرائط، لكنها في الواقع تكون مجزأة في الوعي والسلوك والعلاقات الاجتماعية. وعندما يتصدع الشعور الوطني المشترك، يصبح أي استقرار سياسي هشاً وقابلاً للانهيار عند أول أزمة...
ثانياً:
 إعادة إنتاج العنف لأن خطاب الكراهية وثقافة الغلبة يشكلان المخزون الاستراتيجي لأي صراع مستقبلي، فالمظالم التي لا تجد طريقها إلى العدالة تتحول إلى رغبة في الانتقام، والذكريات التي لا تُعالج بالحقيقة والمصالحة تبقى كامنة تحت السطح، تنتظر لحظة الانفجار. ولذلك فإن أي سلام لا يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون سيظل سلاماً مؤقتاً ومهدداً بالانهيار...
ثالثاً: 
تبديد المستقبل الوطني، إذ لا يمكن لأي دولة أن تنهض في بيئة يسودها الشك المتبادل والخوف والانقسام، فالعقول المبدعة والكفاءات الشابة تهاجر عندما تفقد الثقة بالمستقبل، والاستثمارات تتراجع عندما تغيب الاستقرار والثقة، والمؤسسات تضعف عندما تُدار بمنطق الولاء لا الكفاءة. وهكذا تدخل البلاد في حلقة مفرغة من التراجع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي يصعب الخروج منها...
رابعاً: 
فقدان المعنى الوطني المشترك، وربما يكون هذا الخطر هو الأخطر على الإطلاق، فعندما يتوقف المواطن عن رؤية نفسه جزءاً من مشروع وطني جامع، ويتعامل مع الوطن باعتباره مجرد مساحة جغرافية أو ساحة صراع بين الجماعات، يصبح الحفاظ على الدولة نفسها مهمة شاقة. فالأوطان لا تُبنى بالقوة وحدها، بل تبنى أولاً بالاقتناع الجماعي بأنها تستحق البقاء...

اخيرا وباختصار:
إن بارقة الأمل الوحيدة تكمن في القدرة على كسر هذه الثنائية المدمرة: "نحن" و"هم"،  فلا مستقبل لسورية إذا بقي السوريون أسرى هوياتهم المغلقة، ولا إمكانية لبناء دولة مستقرة إذا استمر منطق الغالب والمغلوب في حكم العلاقات السياسية والاجتماعية...

إن الوطن لا يقوم على جثث أبنائه، ولا ينهض فوق أنقاض كراماتهم، ولا يستقر عبر إخضاع فئة لفئة أخرى، فالوطن الحقيقي يقوم على الشراكة الكاملة بين جميع مواطنيه، وعلى المساواة أمام القانون، وعلى العدالة التي تنصف الجميع دون تمييز، وعلى الاعتراف المتبادل بالحقوق والآلام والمخاوف...

لقد أثبتت تجارب الشعوب التي خرجت من الحروب الأهلية أن المصالحة ليست نسياناً للماضي، بل فهماً له وتجاوزاً له، وهي ليست انتصار طرف على آخر، بل انتصار المجتمع على أسباب انهياره. ومن دون بناء مفهوم جديد للمواطنة يجعل سورية هي المبتدأ والمنتهى، والهوية العليا التي تسبق جميع الهويات الأخرى دون أن تلغيها، سيبقى السوريون يدورون في الحلقة ذاتها من الاستنزاف والانقسام...
 وأخيراً:
إن السؤال الحقيقي الذي يواجه السوريين اليوم ليس من انتصر ومن هُزم، بل كيف يمكن إنقاذ ما تبقى من الوطن قبل أن يصبح الانقسام قدراً دائماً، فالأوطان قد تنجو من الحروب، لكنها نادراً ما تنجو من الكراهية إذا استقرت في القلوب والعقول.