
بين مقصلة التراتبية وتصفية الحسابات:
مدنيون في مواجهة ذاكرة حرب لم يصنعوها.
أثارت تقارير إعلامية أخيرة، من بينها ما نشرته منصة "زمان الوصل"، جدلاً واسعاً بعد الحديث عن إحالة أمناء فروع حزب البعث الذين تولّوا رئاسة لجان أمنية في المحافظات السورية بين عامي 2011 و2024 إلى إدارة مكافحة الإرهاب، تمهيداً لإجراءات قانونية بحقهم، وبعيداً عن الضجيج الإعلامي، فإن هذا الإجراء — كما يبدو في سياقه العام — لا يمكن قراءته كخطوة قانونية محضة، بل يفتح باباً واسعاً على إشكاليات العدالة حين تختلط مع منطق التصفية أو إعادة ترتيب الحسابات السياسية...
* مدنيون في قلب معادلة عسكرية:
إن المفارقة الأساسية في هذا المسار تكمن في طبيعة الموقع الوظيفي لهؤلاء المسؤولين. فأمناء الفروع الحزبية، وفق بنيتهم التقليدية، هم كوادر مدنية ذات طابع إداري وسياسي، لم يُعدّوا أصلاً لعمل عسكري ولم ينخرطوا في منظومات القتال النظامي، وحتى في أكثر مراحل الأزمة تعقيداً، فإن ما حُمّل لبعضهم من مهام أو ما اضطروا إليه من حمل السلاح الفردي لم يتجاوز حدود الدفاع الاضطراري في بيئة انهارت فيها منظومات الأمن...
ومن هنا:
فإن التعامل معهم بوصفهم أطرافاً عسكرية مكتملة المسؤولية أو إدخالهم ضمن مسارات ملاحقة ذات طابع ( أمني - عسكري ) يطرح سؤالاً جوهرياً:
- أين ينتهي دور الإدارة المدنية وأين تبدأ مسؤولية القرار القتالي المباشر؟..
* التراتبية كإطار إكراهي لا اختياري:
إذ لا يمكن فهم سلوك هذه الشريحة بمعزل عن بنية الانضباط الصارم التي حكمت المؤسسة الحزبية لعقود، فتراتبية العمل الحزبي لم تكن مجرد تنظيم إداري، بل منظومة إلزامية تضع الامتثال في صلب البقاء الوظيفي والاجتماعي...
في تلك الظروف الاستثنائية، لم يكن الانسحاب أو الاعتراض خياراً عملياً متاحاً دون كلفة قاسية قد تطال الفرد وأسرته ومحيطه، لذلك بقي كثير منهم في مواقعهم ضمن محاولة إدارة الحد الأدنى من الاستقرار، في سياق فوضى عامة تداخل فيها الأمني بالسياسي والاجتماعي، وساد فيها انهيار واسع لمؤسسات الدولة في مناطق متعددة...
* عدالة بين الانتقاء ودورة الزمن:
" لتعلم سلطات الأمر الواقع، أن الدنيا يومٌ لك ويومٌ عليك، والتاريخ لا يمنح صكوك براءة دائمة لأحد "...
في ضوء ذلك، يبرز سؤال العدالة بوصفه الإشكال الأكبر:
- هل يجري التعامل مع هذه الملفات بمنطق قانوني متجرد، أم ضمن سياقات انتقائية تعيد إنتاج الخصومة بأدوات قضائية؟..
للأمانة :
اقول وانا عن قولي مسؤول لأني عارف لما كان عليه الحال والاحوال ولدي رفاق منهم كما كما الإخوة لذا أؤكد أن محاكمة الفاعلين الإداريين والسياسيين بأثر رجعي، دون تفكيك دقيق لسياقات الإكراه وحدود القرار الفعلي، لا تقود بالضرورة إلى ترسيخ العدالة، بل قد تفتح الباب أمام نمط متكرر من الانتقام السياسي المغلف بالقانون...
وفي المقابل:
فإن تغييب مبدأ التمييز بين مستويات المسؤولية — بين من يصنع القرار ومن يُدفع لتنفيذه في ظروف قسرية — يجعل من العدالة نفسها أداة قابلة لإعادة التدوير مع تبدّل موازين القوة. وهنا يظل السؤال مفتوحاً: هل تُبنى الدولة على المحاسبة المتوازنة أم على محاكمات تُدار بمنطق الغلبة؟..
فالعدالة:
كما افهمها وفي جوهرها، ليست اصطفافاً مع طرف ضد آخر، بل قدرة على تفكيك السياق قبل إصدار الحكم، وتمييز المسؤولية عن الإكراه، والفعل عن الظرف الذي وُلد فيه.