
الوعي كعبء إضافي :
قراءة في الوجود بأبعاد فلسفية، أدرك أن هذا لن يروق للكثيرين مع رجحان كبير المغيبين إلا أن هذا لن يمنعني أن أقول أنا :
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
أن الوعي في جوهره ليس راحة، بل طبقة زائدة من الإدراك فوق الواقع الخام...
هو لا يكتفي بأن “نعيش”، بل يراقبنا ونحن نعيش، هذا يخلق مفارقة قاسية: كلما زادت قدرة الإنسان على فهم العالم، زادت قدرته على الشعور بعدم الاستقرار داخله...
فالزمن:
من منظور مادي، لا يحمل أي وعد، كون الجسد نظام بيولوجي مفتوح على التغير والتآكل، والعلاقات، مهما بدت ثابتة، فهي محكومة بالتحول والافتراق...
للعلم هنا:
اني ارى ان مصدر القلق ليس فكرة خارجية، بل نتيجة مباشرة لطريقة عمل الدماغ حين يواجه واقعاً غير مضمون...
عموماً:
لنا كبشر محكومون بوجود لم نستشر حين وجدنا فيه، إضافة لذلك وضع أمامنا في نهاية المطاف جهنم وبئي المصير، والجنة حسنت كمثوى للطائعين، في حين أن لا انسان حر لا في وجوده ولا حاضره ولا مستقبله علما أن الحرية في كل النواميس الوضعية هي مقياس تحمل المسؤولية...
ومع كل ذلك أن نتساءل أين يمكن أن توجد الطمأنينة؟:
إذا جُرّد الموضوع من أي تصورات غيبية، تصبح الطمأنينة ليست “هدية تأتي من الخارج”، بل حالة تنظيم داخلي للوعي نفسه...
ليست إنكاراً للواقع، بل طريقة مختلفة في التعامل معه...
لذا فأنا أرى أن :
هناك ثلاث تحولات أساسية هنا:
- التحرر من وهم “كان يجب أن أُستشار”، كون جزء كبير من الألم الوجودي يأتي من مقاومة حقيقة بسيطة:
أننا لم نُستشر في البداية، لكن هذا الاعتراض، رغم صحته العاطفية، لا يغيّر شيئاً في بنية الواقع، فالزمن وبقوة قاهرة وجبروت ليس فيه مكان للانسانية لا يعيد نقطة البداية، ولا يفتح باب التعديل على أصل الوجود. .
التعافي العقلي يبدأ عندما يتحول السؤال من:
“لماذا حدث لي هذا؟”
إلى:
“ماذا يمكن أن أفعل داخل ما حدث بالفعل؟”
ـ إعادة تعريف الطمأنينة، لأنها ليست غياب الألم، ولا توقف الاحتمالات الصعبة، بل هي قدرة الوعي على ألا يتحول الألم إلى انهيار داخلي شامل...
بمعنى أدق:
أن يبقى الإنسان قادراً على العمل، الفهم، واتخاذ القرار، رغم إدراكه أن لا شيء مضمون بالكامل.
هذا نوع من الاستقرار الديناميكي الملزم والقسري والجبري لا يعتمد على تثبيت الحياة، بل على مرونة التعامل معها.
- الانتقال من طلب الضمان إلى إدارة الاحتمال، فالذهن الذي يبحث عن ضمان مطلق سيبقى دائماً في حالة خيبة، لأن الواقع لا يقدم ضمانات نهائية، أما الذهن الذي يتعامل مع الحياة كمنظومة احتمالات، فإنه يخفف من حدة الصدمة، لأنه لا يفترض وجود يقين كامل أصلاً...
هنا تتحول الطمأنينة من “نتيجة” إلى “مهارة”.
الخلاصة:
المشكلة الأساسية ليست في العالم، بل في توقع الإنسان من العالم أن يكون أكثر ثباتاً مما هو قادر على أن يكونه، فنحن حين يُفهم الوجود باعتباره نتيجة عمليات مادية متغيرة، لا مشروعاً مكتمل المعنى، يتغير السؤال من البحث عن يقين مفقود، إلى بناء قدرة داخلية على العيش داخل عدم اليقين نفسه...
لذا:
فإن السكينة، في هذا الإطار، ليست حالة مثالية نهائية، بل درجة من النضج الإدراكي اقصد :
أن يدرك الإنسان هشاشة البناء، ومع ذلك لا يتوقف عن العيش داخله، بل يعيد تنظيم وعيه بحيث لا تتحول هذه الهشاشة إلى انهيار داخلي دائم.
إنها ببساطة:
- ليس أن يصبح العالم آمناً...
بل:
- أن يصبح الوعي أقلّ هشاشة أمام عدم أمان العالم.