سورية التي لم تأتِ: سيناريو انقلاب رفعت الأسد

Salah Kirata • ٢٥‏/٦‏/٢٠٢٦

50952.png

سورية التي لم تأتِ: 
سيناريو انقلاب رفعت الأسد.

بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.

سألتني الصديقة الافتراضية هدى سلوم ماذا لو أن محاولة الانقلاب التي قام بها رفعت الأسد مستغلا مرض شقيقه حافظ ...
- ماذا كان يمكن أن يحدث؟..
بصراحة:
فاجأني السؤال وحرضني لأن احاول متخيلا ماذا يمكن أن يكون عليه كزاعم بجودة القراءة للأحداث :
كانت دمشق في صيف 1984 تعيش على إيقاعٍ ثقيل، مدينةٌ محشورة بين التوتر والصمت، وبين أجهزة أمنٍ لا تغيب عن الزوايا، ودولةٍ تمسك بخيوطها بقبضةٍ متوترة لكنها لم تنفلت بعد...

في تلك الفترة، كان حافظ الأسد موجوداً في قلب المشهد السياسي، لكن حضوره كان مثقلاً بظرف صحي حساس، إذ كان يرقد في مشفى الشامي بدمشق، ما أضاف طبقة من التعقيد إلى لحظة سياسية شديدة الحساسية، دون أن يعني ذلك غياباً عن السلطة أو انهياراً في مركز القرار. كانت الدولة لا تزال قائمة على توازن دقيق بين المؤسسات العسكرية والأمنية، وإن بدا ذلك التوازن أكثر هشاشة من أي وقت مضى...

في هذا السياق المتوتر، يُطرح هنا – افتراضياً – سيناريو غير واقعي تاريخياً، يتمثل في نجاح محاولة انقلاب قادها رفعت الأسد وسرايا الدفاع، وهو سيناريو لم يحدث فعلياً، لكنه يُستخدم هنا كأداة تحليلية لتخيّل مسار بديل كان يمكن أن تأخذه سوريا لو انقلب ميزان القوة في تلك اللحظة...

في هذا التصور، لم يكن الأمر مجرد انتقال في السلطة، بل إعادة تشكيل كاملة لبنية الدولة، فقد كان صعود رفعت يعني انتقال مركز القرار من منطق “التوازنات البطيئة” إلى منطق “القوة المباشرة”، حيث تتحول الأجهزة العسكرية شبه المستقلة، وعلى رأسها سرايا الدفاع، إلى العمود الفقري للدولة الجديدة...

في الداخل:
كانت الدولة ستتجه سريعاً نحو نموذج شديد العسكرة، تُدمج فيه القوة الأمنية بالاقتصاد بصورة أكثر فجاجة وعلنية مما كان قائماً في عهد حافظ الأسد، لم تكن شبكة النفوذ ستبقى موزعة بين مؤسسات متعددة، بل كانت ستتمركز بشكل أضيق حول دائرة ولاء شخصي، تُدار فيها القطاعات الاقتصادية الحيوية—من التجارة إلى العقارات والمرافئ—كامتدادات مباشرة للسلطة الأمنية...

هذا التحول كان سيعني عملياً تراجع الدولة المؤسسية لصالح دولة الأجهزة، حيث تصبح “سرايا الدفاع” ليست مجرد قوة عسكرية، بل بنية حكم كاملة، تتحكم في القرار السياسي والاقتصادي معاً. وفي ظل هذا النمط، كانت الطبقة الوسطى التقليدية ستتعرض لضغط أكبر، بين الإخضاع المباشر أو التهميش أو الدخول القسري في شبكات شراكة غير متكافئة مع مراكز النفوذ الجديدة...

دمشق، في هذا السيناريو، كانت ستتغير عمرانياً واجتماعياً بشكل أسرع وأكثر حدة، توسع أمني في محيط العاصمة، إعادة تشكيل للأحياء على أساس الولاء، وتراجع تدريجي للمجال المدني لصالح حضور أمني كثيف في الفضاء العام، إذ لم يكن الأمر ليكون مجرد تغيير في المشهد العمراني، بل إعادة تعريف لمن يملك الحق في المدينة ومن يُدفع إلى أطرافها...

اجتماعياً:
 كان هذا المسار سيُضعف آليات الضبط التقليدية التي اعتمدها النظام لعقود، والقائمة على توزيع التوازنات بين المكونات الاجتماعية والسياسية، بدلاً من ذلك، كان من المرجح أن يطغى منطق الولاء المباشر، ما يؤدي إلى تراكم احتقان اجتماعي أعمق، أقل قابلية للاحتواء عبر الأدوات السياسية التقليدية...

أما خارجياً:
فكان من المتوقع أن تدخل سورية في إعادة تموضع سريع وغير مستقر، بدلاً من السياسة الخارجية القائمة على التوازن بين المعسكرين السوفيتي والغربي، كان يمكن أن تظهر محاولة للانفتاح البراغماتي السريع على الغرب وبعض القوى الإقليمية، لكن دون بنية استراتيجية متماسكة، وفق هذا النوع من التحول كان سيضعف تدريجياً قدرة سورية على استخدام نفوذها الإقليمي، خصوصاً في لبنان، حيث كان النفوذ سيصبح أكثر مباشرة وأقل مرونة، وأقل قدرة على إدارة التعقيدات السياسية الداخلية اللبنانية...

في لبنان تحديداً، كان النفوذ السوري—في هذا السيناريو—سيبتعد عن نموذج “الإدارة عبر التوازنات” نحو نموذج “الضغط المباشر”، ما كان سيؤدي إلى تآكل تدريجي في فاعلية هذا النفوذ، وفتح المجال أمام قوى محلية وإقليمية أخرى لملء الفراغات التي كانت تُدار سابقاً بدقة سياسية عالية...

اقتصادياً:
 كان يمكن أن يظهر ما يشبه اقتصاداً عسكرياً-أمنياً موازياً، يتوسع بسرعة لكنه يفتقر إلى الاستقرار المؤسسي. الانفتاح الاقتصادي كان سيأخذ طابعاً انتقائياً، يخلق طبقة جديدة مرتبطة بمراكز القوة، لكنه في الوقت ذاته يفاقم الفجوة الاجتماعية، ويضعف الإنتاجية العامة للدولة، ويزيد من نزيف الكفاءات والهجرة...

ومع مرور الوقت، كان هذا النموذج سيكشف عن تناقضاته الداخلية:
-  دولة تبدو شديدة القوة من حيث السيطرة الأمنية...
- لكنها كانت ستكون أقل قدرة على إنتاج استقرار طويل الأمد؛ اقتصاد متوسع شكلياً لكنه هش في بنيته؛ ومجتمع يعيش تحت ضغط دائم بين الخوف وإعادة التشكيل القسري.. 

لكن يبقى من الضروري التأكيد أن هذا كله يدخل في إطار “السيناريو الافتراضي” وليس توصيفاً لتاريخ حدث فعلياً، الواقع التاريخي لسورية في تلك المرحلة كان مختلفاً، وقد بقيت بنية الدولة، رغم أزماتها، ضمن الإطار المعروف لقيادة حافظ الأسد حتى مراحل لاحقة من تاريخ البلاد...

بهذا المعنى:
 فإن هذا التصور لا يروي ما حدث، بل يحاول أن يجيب على سؤال مختلف: "كيف كان يمكن أن تتغير ملامح سوريا لو أن لحظة واحدة في صيف 1984 انحرفت عن مسارها المعروف"؟.