
تفكك الهوية في ظل الاستبداد:
من إدارة الخوف إلى صناعة الانقسام.
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم يكن المشهد السوري الراهن وليد لحظة سقوط أو فراغ سياسي مفاجئ، بل هو امتداد طويل لبنية حكم اشتغلت لعقود على تفكيك المجال العام وإعادة تشكيله وفق منطق السيطرة لا منطق الدولة، ومع تراكم العنف وتآكل المؤسسات، لم تعد الانقسامات السياسية وحدها هي الفاعلة، بل جرى دفع المجتمع تدريجيًا نحو اصطفافات هوياتية حادة، أخذت في لحظة ما طابعًا طائفيًا صارخًا، كأنه التفسير الوحيد لما جرى ويجري...
غير أن اختزال السلطة في بعدها الطائفي الخالص يبدو قراءة ناقصة، رغم شيوعها، فالنظام لم يكن يومًا مجرد تعبير عن جماعة دينية بعينها، بل كان شبكة مصالح معقدة تتداخل فيها الأجهزة الأمنية والاقتصاد والولاءات السياسية، وتُدار عبر توزيع محسوب للخوف والمكاسب، هذه البنية سمحت له بالاستمرار، وأعادت إنتاج نفسه عبر أزمات كبرى، وصولًا إلى لحظة انتقال الحكم داخل العائلة الحاكمة بسلاسة لافتة، بما عكس قدرة المنظومة على ضبط التناقضات لا إلغائها...
لكن في المقابل:
لا يمكن إنكار أن البنية الأمنية والعسكرية أعادت إنتاج تمثلات اجتماعية ذات بعد طائفي، سواء عبر التوظيف أو عبر آليات الحماية المتبادلة في بيئة سياسية شديدة التوتر، هذا الواقع أنتج سردية مبسطة لدى قطاعات واسعة، اختزلت السلطة في هوية طائفية صلبة، متجاهلة شبكة المصالح الأوسع التي كانت تدير الدولة فعليًا...
إلا أن الأخطر من ذلك أن العنف السياسي، حين يُمارس في غياب دولة المواطنة، لا يبقى محصورًا في سياقه الأمني، بل يتحول إلى ذاكرة جمعية قابلة لإعادة التوظيف، وهنا يظهر منطق “الخوف المتبادل”:
فشرائح اجتماعية وجدت نفسها محاصرة بين تجربة قمع واقعية، وهاجس وجودي متخيل، غذّته سنوات من الخطاب التعبوي المتبادل بين السلطة ومعارضيها، وبهذا المعنى، لم يعد الانحياز مجرد موقف سياسي، بل صار أحيانًا آلية دفاع نفسي...
لذا:
فإن ما يسمى بـ“الوعي المزدوج” داخل بعض المكونات الاجتماعية لا يمكن فهمه فقط من زاوية الامتيازات، بل أيضًا من زاوية الخشية من انهيار كامل قد يفتح الباب أمام الفوضى أو الانتقام...
وهنا تتحول السلطة إلى “ضمانة قسرية” للبقاء، حتى لدى من يدركون فسادها أو ظلمها، في مفارقة تعكس عمق الانسداد السياسي لا صحة الخيارات...
في المقابل:
تتحمل قوى المعارضة أيضًا جزءًا من مسؤولية تكريس هذا الانقسام، حين انزلقت بعض خطاباتها نحو استهداف الهويات بدل تفكيك بنية الاستبداد ذاتها، ما عزز سرديات الخوف بدل تجاوزها. وبهذا أعيد إنتاج نفس الحلقة التي قامت عليها منظومة الحكم: الخوف مقابل البقاء...
اليوم:
ومع تفكك مركزية الدولة وتعدد مصادر القوة والعنف، لم تعد المسألة مجرد سقوط نظام أو صعود بديل، بل صراع على تعريف المجتمع نفسه: هل يُعاد بناؤه على أساس المواطنة، أم يُترك لينزلق نحو منطق الثأر والهويات المغلقة؟..
لذا:
فإن استمرار إعادة إنتاج الانقسام لا يهدد طائفة بعينها، بل يهدد فكرة سورية ككل، فحين تتحول الذاكرة السياسية إلى ساحة انتقام متبادل، يصبح الخاسر الوحيد هو المجال الوطني نفسه، الذي يتآكل لصالح هويات جزئية لا تعرف الاستقرار إلا على أنقاض الأخرى.