
عندما تتحول الدولة إلى وسيط مالي:
تفكيك خطاب التنصل من الالتزام الاجتماعي.
ما صدر عن رئيس غرفة تجارة دمشق، مازن ديروان، في تسجيله المصوّر لا يمكن قراءته بوصفه مجرد اجتهاد اقتصادي في ظرف صعب، بل هو تعبير مكثّف عن تحوّل أعمق في تصور العلاقة بين الدولة والمجتمع، يقوم على محاولة نزع البعد الاجتماعي عن الدولة وتحويله إلى عبء فردي كامل يقع على المواطن وحده.
الفكرة الجوهرية التي يروّج لها هذا الخطاب، وإن بلبوس تقني واقتصادي، هي أن تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة لم يعد التزاماً عاماً، بل مسألة “قدرة مالية” تخضع لمعادلات السوق فقط. وهذه ليست مقاربة إصلاحية كما يُراد تصويرها، بل إعادة تعريف خطيرة لمفهوم الدولة ذاته: من كيانٍ يقوم على العقد الاجتماعي، إلى مجرد وسيط مالي يتخلى عن وظيفته عند أول عجز في الموارد.
المسألة هنا لا تتعلق بالحنين إلى نماذج سابقة بما فيها من اختلالات وفساد بنيوي معروف، بل بتفكيك فكرة أخطر: إسقاط الالتزام تجاه الاحتياجات الأساسية للناس. فمهما كانت عيوب السياسات الاقتصادية في العقود الماضية، ظل هناك حد أدنى من الإقرار بأن الغذاء، والدواء، والطاقة، والتعليم ليست سلعاً ترفيهية، بل عناصر بقاء اجتماعي لا تقوم دولة من دون تأمينها.
من منظور نظرية العقد الاجتماعي، لا تُقاس شرعية السلطة بقدرتها على تحقيق التوازنات المالية فقط، بل بقدرتها على ضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وعندما تُنقل هذه الوظيفة بالكامل إلى الأفراد تحت شعار “دبّروا أنفسكم”، فإننا لا نكون أمام إصلاح اقتصادي، بل أمام انسحاب الدولة من جوهر وظيفتها التاريخية.
حتى في أكثر النماذج الرأسمالية صلابة، لم يُترك المجال الاجتماعي لمنطق السوق وحده. فالدول الغربية، رغم تبنيها اقتصاد السوق، ما زالت تنفق على الصحة العامة، ودعم الغذاء، والتأمين ضد البطالة، والطاقة والتعليم، ليس بوصفه ترفاً سياسياً، بل كشرط لاستقرار الدولة نفسها. أي أن الرعاية الاجتماعية ليست نقيض السوق، بل أحد شروط استمراره ومنع انهياره.
من هنا، فإن الخطاب الذي يبرر رفع الدعم أو تفكيك شبكات الحماية الاجتماعية تحت عنوان “الضرورة الاقتصادية” يتجاهل حقيقة مركزية: أن الاقتصاد ليس منظومة معزولة عن البشر، بل بنية مرتبطة مباشرة بالاستقرار الاجتماعي. تحويل الأزمة إلى ذريعة لإسقاط هذه الوظائف لا ينتج اقتصاداً أكثر كفاءة، بل مجتمعاً أكثر هشاشة، تتسع فيه الفجوة ويُلقى فيه العبء على الأكثر ضعفاً.
المشكلة الأعمق في هذا الطرح أنه يعيد تعريف المواطنة نفسها، حين يجعل القدرة الشرائية معيار البقاء الوحيد. عندها تتحول المواطنة من حق قانوني إلى امتياز اقتصادي، ومن علاقة التزام متبادل إلى علاقة استهلاكية بحتة، وهو ما يمثل انحداراً خطيراً في فكرة الدولة الحديثة.
إن الدفاع عن استمرار التزام الدولة بالاحتياجات الأساسية ليس موقفاً أيديولوجياً في مواجهة الإصلاح، بل هو دفاع عن الحد الأدنى من معنى الدولة. فالدولة التي تتخلى عن هذا الدور لا تعيد هيكلة اقتصادها، بل تعيد تفكيك عقدها الاجتماعي، وتدفع المجتمع تدريجياً نحو منطق الغلبة بدل القانون، والبقاء للأقوى بدل الحق في الحياة الكريمة.