
قاسيون يهتز…
ولا تسقط المعادلات الراسخة :
حين نتأمل مسارات الحكم والصراع على السلطة، بعيدًا عن منطق الفعل وردّ الفعل، وبعيدًا عن تبريرات "البادئ أظلم"، نكتشف أن جوهر المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو على السطح...
فالسلطة، في جوهرها، مغرية إلى حدّ بعيد؛ لأنها لا تُغري بالوصول إليها فقط، بل تُغري أكثر بالحفاظ عليها. وفي هذا السياق، يتحول الطرفان—الساعي إلى الوصول، والمتمسك بالموقع—إلى كيانين يحشدان كل ما يملكانه من أدوات وقدرات، وكل طرف يعتقد، بوعي أو بوهم، أنه صاحب الحق والأحقية، وأنه الأجدر بالبقاء أو الاستبدال...
لكن الأخطر من كل ذلك، أولئك الذين يتوهمون امتلاك "الحق المطلق"، فيحوّلون الدين أو الطائفة أو العِرق أو الإثنية إلى أدوات تعبئة. هؤلاء لا يمارسون السياسة فقط، بل يعبثون بالعاطفة الجمعية، ويستثمرون في الغرائز العميقة للناس، حتى يصبح الصراع عند أتباعهم قضية وجود لا مجرد خلاف على سلطة...
وهناك نمط آخر لا يقل خطورة:
أولئك الذين اختلط عندهم الخاص بالعام، فذابت في وعيهم الحدود بين الدولة ومصالحهم الشخصية، هؤلاء، حين يشعرون أن موقعًا أو امتيازًا مهدد بالزوال، يفقدون القدرة على رؤية الأمور بعقل بارد، ويصبح كل من ينافسهم تهديدًا وجوديًا لا مجرد خصم سياسي. عندها يصل الصراع إلى حدّ يبرر فيه البعض القتل أو القبول بالموت، في قناعة داخلية خطيرة بأنهم يقاتلون دفاعًا عن "النظام"، بينما هم في الواقع جزء من شبكة مصالحه وأدواته الأكثر تشابكًا...
وهنا تتعقد المعادلة إلى درجة يصبح فيها إسقاط النظام نفسه أمرًا بالغ الصعوبة، لا لأنه لا يملك نقاط ضعف، بل لأن من يحمونه في الداخل هم من أكثر المستفيدين من استمراره، حتى لو دفعوا حياتهم ثمنًا لذلك...
وفي إحدى تلك اللحظات، قلت يومًا للفنان الكبير الراحل خالد تاجا، خلال سهرة جمعتنا، وأنا أشير بيدي نحو جبل قاسيون:
“يهتز قاسيون… ولا يسقط النظام”...
لم تكن العبارة وصفًا سياسيًا بقدر ما كانت خلاصة إدراك لتوازنات أعمق من الأشخاص والشعارات، توازنات تتجاوز ما هو ظاهر إلى ما هو متجذر في البنية نفسها...
وللأمانة:
كان موقفي الشخصي بعيدًا عن الارتباط العضوي بتلك المصالح التي تجعل الإنسان أسير موقعه إلى حد أن يصبح الخيار بين أن يكون قاتلًا أو مقتولًا، لذا فحين وصلت الأمور إلى هذا الحد من الاستقطاب، اخترت التنحي بصمت، دون إعلان، وغادرت سورية شبه خلسة بعد أن قدّمت إجازة رسمية وحصلت على الموافقات اللازمة دون أي عرقلة، تاركًا خلفي موقعًا لم أكن أرى نفسي جزءًا من معادلة صراعه الوجودي...
ويبقى المشهد، في النهاية:
أكبر من الأفراد… وأقسى من قدرتهم على التحكم الكامل بمساراته.