
نبوءة الدخان الأخير :
في تلك البرهة العالقة بين أواخر حزيران وأوائل تموز، حيث يتواطأ القيظ مع الترقب ليجعلا من الوقت سبيلاً هلامياً لا يمكن تحديد تاريخه بدقة، جاءت تلك المكالمة المفاجئة لتقلب رتابة الأيام الوظيفية، رنّ الهاتف الخاص، وحين أجبت، انساب صوت لرجل يتحدث بوقار عالي اللباقة، مستفسراً عن هويتي. وما إن أكدت له اسمي، وقبل أن يتسع الوقت للسؤال البديهي عن هوية المتصل، بادرني بلهجة حاسمة ومهذبة:
"تفضل، المعلم معك على الخط"...
لم أكن أعرف حينها من المتكلم ولا من يكون "المعلم"، لكن العبارة التي تلتها من الطرف الآخر، وهي تنطق بمهابة "احترامي سيدي، معكم الرفيق فلان"، جعلتني موقناً على الفور بأن الأمر يتجاوز المألوف، وأنني أقف على عتبة حدث استثنائي، لم يتسلل الخوف إلى قلبي؛ فقد كنت معتصماً بوعيي المطلق بأني أؤدي واجبي الوظيفي والوطني بمهارة مشهودة، ناصع السجل بلا خطيئة تُذكر، فضلاً عن أن نبرة المتصل، برفعته الواضحة، كانت تخلو تماماً من أي لغة تهديد أو وعيد.
تولى "المعلم" الكلام بنفسه، معرفاً عن اسمه دون ألقاب أو صفات أو رتب عسكرية، صوته يحمل ثقل القيادة وهدوءها، فقال بعبارة قاطعة لا تحتمل الجدال بل ترسم مساراً إجبارياً:
"أريد أن أراك في مكتبي، حدد الساعة وطريقة الوصول"...
لم يكن أمام لساني في تلك اللحظة إلا أن ينطق بكلمة "حاضر"، مستسلماً لترتيبات لم أخترها، بل فُرضت عليّ بلباقة بالغة لا تُرد. أذكر ذلك الرجل جيداً، وإن حجبت الأيام اسمه، فهو أحد القادة الكبار الذين ارتقوا شهداء ضمن "خلية الأزمة" في ذلك التفجير المروع الذي استهدف مبنى الأمن القومي في قلب دمشق، ليضيف إلى لظى تموز وحرارة طقسه فاجعة غيّرت وجه الحاضر...
أعادني المتصل إلى مدير مكتبه ليتولى الجانب اللوجستي من اللقاء، حيث رسم لي خارطة الوصول بدقة أمنية صارمة؛ طلب مني التحرك بسيارتي الخاصة إلى نقطة محددة، وهناك سأجد سيارة بمواصفات ولون معينين ينتظرني فيها شخصان، سينزل أحدهما ليفتح لي الباب الخلفي، وعليّ أن أصعد صامتاً، دون حديث، وحتى دون إلقاء التحية. نفذت التعليمات بحذافيرها، مستشعراً هيبة الموقف وغرابة الطقوس التي تسبق هذا اللقاء المكتوم. وعند وصولنا إلى المقر، طرق مدير المكتب الباب حاملاً التحية، وقال بلهجة مقتضبة: "الضيف وصل"، فجاء الرد من الداخل:
"خليه يتفضل"...
ما إن دلجت إلى الغرفة، حتى تفاجأت بالمسؤول الرفيع يغادر مقعده من خلف طاولة مكتبه الضخمة، مقبلاً نحوي بترحاب حار؛ مد يداً ليصافحني ووضع الأخرى على كتفي برفق لامتصاص أي توتر، ثم أجلسني وجلس في المقعد المواجه لي تماماً، على ذات المستوى، في التفاتة تنم عن تقدير عالٍ، طُلبت القهوة، واستدارت دفة الحديث حين قال بصوت واثق:
"اللواء فلان أتى على ذكرك ورشحك، لذا أنت الآن هنا"...
وتابع شارحاً الغاية من هذا الاستدعاء، موضحاً أنه واللواء المرشّْح راق لهما الاسلوب الذي اتبعته في أداء مهامي في حيي "الميدان" و"ركن الدين"، حيث نجحتُ برصانة وعقلانية في استعراض القوة دون الحاجة إلى استخدامها أو إراقة الدماء، أردف الرجل، وكأنه يقرأ من كتاب المستقبل الملبد بالغيوم:
"نحن نسعى إلى استيعاب الأزمة، ولن نوافق على تفجير الأوضاع أكثر فأكثر، قادمات الأيام ستشهد تعديلاً في السلطة، ما من شأنه أن يخفف حدة الاحتقان وتصفير المواجهات، فسورية بأرضها وشعبها هي ذروة ما نعمل له ونفكر به في خلية الأزمة"...
طوال الحديث، كنت مستمعاً بامتياز، أكتفي بالإيماء برأسي تعبيراً عن الفهم والموافق، وأتابع ملامحه بعينين تظهران بالغ الاهتمام بوعوده ومخططاته...
وحين شارف اللقاء على نهايته، رشفْتُ رشفة واحدة من فنجان القهوة كعرفان بالضيافة، واستأذنت بالانصراف، مشى معي الرجل متواضعاً حتى باب مكتبه، وودعني بكلمات بقيت أصداؤها تتردد في ممرات ذاكرتي:
"نحن متفقون.. سورية وأهلها فوق كل اعتبار، هذا ما يجب أن يترسخ في الأذهان"...
غادرت المكان والكلمات تتأرجح في عقلي، لكنها لم تأخذ أبعادها الحقيقية والصادمة إلا بعد أيام قليلة، عندما هز الانفجار العنيف مبنى خلية الأزمة، وحصد أرواح أولئك الرجال؛ عندها فقط، ومع تصاعد الدخان، عدت بذاكرتي إلى كلمات الراحل، وتكشّف لي ما كان يدور في خلفية المشهد العسكري والسياسي، وأدركت بيقين لا يداخله شك أن هؤلاء الرجال كانوا يفكرون فعلياً في إقصاء بشار الأسد، ولو مؤقتاً، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.