فخّ هرمز... حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح سياسي

Salah Kirata • ١١‏/٧‏/٢٠٢٦

55889.png


فخّ هرمز... 
حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح سياسي:

في الأزمات الكبرى، لا تُحسم المعارك بالقوة العسكرية وحدها، بل بالطريقة التي يُدفع بها الخصم إلى ارتكاب الخطأ، وهذا ما يجعل المشهد بين واشنطن وطهران أقرب إلى حرب استدراج منه إلى حرب مواجهة مباشرة...

تدرك الولايات المتحدة أن أي صدام واسع يحتاج أولاً إلى بناء شرعية سياسية ودولية، ولذلك تتحرك بالتوازي على أكثر من مسار: 
- تضخيم المخاوف المرتبطة بالبرنامج النووي...
- وإبراز التهديدات التي تطال أمن الملاحة في مضيق هرمز...
- وربط إيران بصورة الدولة التي تتحدى النظام الدولي...
والغاية:
 ليست فقط زيادة الضغط على طهران، بل تقليص هامش التعاطف معها، وتحويل أي رد فعل إيراني إلى مبرر لتوسيع دائرة المواجهة...

وفي المقابل:
 تبدو إيران وكأنها تراهن على أن امتلاكها أوراق ضغط إقليمية يكفي لردع خصومها، غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن فائض الثقة كثيرًا ما يتحول إلى نقطة ضعف، فالجغرافيا التي تمنح الدول عناصر القوة قد تتحول، إذا أسيء استخدامها، إلى فخ يستدرجها إلى مواجهة أكبر من قدرتها على الاحتمال...

إن التلويح بإغلاق مضيق هرمز لا يُنظر إليه باعتباره ورقة تفاوض فحسب، بل باعتباره تهديدًا مباشراً للاقتصاد العالمي، وهو ما يمنح القوى الكبرى مبررًا أوسع لتدويل الأزمة وتشكيل تحالفات تتجاوز الخلافات التقليدية. ومن هنا، فإن المشهد يتجه – على الأرجح – إلى تصعيد متدرج أكثر منه إلى حرب شاملة؛ عبر تشديد العقوبات، وتعميق العزلة الدبلوماسية، وتكثيف الضغوط السيبرانية والاستخباراتية، وربما تنفيذ ضربات محدودة إذا رأت واشنطن أن الظروف الدولية باتت مواتية لذلك...

لكن جوهر الصراع لا يكمن في الصواريخ أو حاملات الطائرات بقدر ما يكمن في إدارة الحسابات الاستراتيجية، كون الدول الكبرى لا تبحث دائمًا عن كسب الحرب، بل عن دفع خصومها إلى اتخاذ القرار الذي يجعل هزيمتهم ممكنة بأقل كلفة، والتاريخ يعلمنا أن معظم الانهيارات الكبرى لم تبدأ من نقص في القوة، وإنما من سوء تقدير لموازينها...

لذلك، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه طهران اليوم ليس حجم القوة الأمريكية، بل احتمال الوقوع في الفخ الذي يُراد لها أن تدخله بإرادتها، ففي السياسة الدولية، لا ينتصر دائمًا الطرف الذي يمتلك القوة الأكبر، بل الطرف الذي ينجح في دفع خصمه إلى ارتكاب الخطأ الأكبر. ومن يقرأ تاريخ الصراعات الكبرى يدرك أن الحروب كثيرًا ما تبدأ بالسلاح، لكنها تُحسم في النهاية بقراراتٍ خاطئة اتخذها أصحابها وهم يعتقدون أنهم في ذروة القوة.