
حين ارتجفت دمشق بصمت:
( بداية :
كنت موجودا في ذات المكان واقرب ما اكون كشاهد عيان )...
بقلم:
د. صلاح قيراطة استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية.
لم يكن الخطر الذي أقلق حافظ الأسد في مطلع الثمانينيات يأتي دائماً من الجبال التي كان يختبئ فيها المسلحون، ولا من الأزقة التي كانت تنفجر فيها السيارات المفخخة، ولا من المنشورات السرية التي كانت تتسلل بين أيدي الناس تحت جنح الظلام، كان يدرك، بحكم الرجل الذي صنع السلطة من داخل المؤسسة العسكرية، أن أكثر الرصاص فتكاً هو ذلك الذي يُصنع داخل الثكنة نفسها...
كانت سورية آنذاك تعيش أكثر سنواتها قسوة منذ وصول حزب البعث إلى السلطة، المدن تختنق بالخوف، الاقتصاد يترنح تحت وطأة الأزمات، والاغتيالات أصبحت جزءاً من الأخبار اليومية، وفي الوقت الذي كانت فيه المواجهة العلنية مع جماعة الإخوان المسلمين تستنزف أجهزة الدولة، كانت حرب أخرى، أقل ضجيجاً وأكثر خطورة، تدور خلف الأبواب المغلقة...
* لم يكن حافظ الاسد أحد يثق بأحد وقتها:
فقد أصبح الضابط يراقب زميله قبل أن يراقب عدوه، وأصبحت أجهزة الأمن تتنافس فيما بينها على اكتشاف المؤامرة التالية، لأن الجميع كان يعرف أن سقوط النظام، إن حدث، لن يبدأ من الشارع، بل من المؤسسة التي أقام عليها حافظ الأسد حكمه. .
في أواخر عام 1981 بدأت تتسرب إلى مكاتب المخابرات العسكرية إشارات صغيرة لا تبدو مترابطة، لقاءات غير مبررة بين ضباط، اتصالات خارج التسلسل العسكري المعتاد، وحركة غير مألوفة داخل بعض تشكيلات الطيران والدفاع الجوي والمدرعات، لم تكن الأدلة في بدايتها تكفي لإعلان حالة طوارئ داخل الجيش، لكنها كانت كافية لإطلاق أكبر عملية مراقبة سرية شهدتها المؤسسة العسكرية منذ سنوات...
* شيئاً فشيئاً بدأت الصورة تتضح نتيجة المتابعة وتقاطع المعلومات فكل جهاز أمني كان لايعمل عمله فقط كجهد مهني يصف في مصلحة أمن النظام، بل كله كان يريد أن يحقق السبق على سواه من الأجهزة كي يكسب ثقة حافظ الأسد ...
في هذا الوقت كان هناك تنظيم سري يضم عدداً من الضباط من رتب مختلفة، يجمعهم اقتناع واحد بأن البلاد وصلت إلى نقطة لم يعد يمكن استمرارها، ووفق ما تذكره بعض الشهادات اللاحقة، كان التصور يقوم على استغلال حالة الاضطراب الأمني لتنفيذ تحرك عسكري سريع يستهدف مراكز القرار في دمشق، مع الاعتماد على عنصر المفاجأة قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من استعادة زمام المبادرة...
* لكن الدولة التي بُنيت على الأمن كانت قد زرعت عيونها في كل زاوية...
تمكنت المخابرات العسكرية، بالتعاون مع مخابرات القوى الجوية، من اختراق التنظيم قبل أن يتحول إلى فعل، ( اذكر اني سمعت من أحد الضباط الذي ترأس شعبة المخابرات العسكرية أنه كان قد ارتدى في ساقه ما يوحي أنها مكسورة، ويظهر بملابس رثة وقديمة ليظهر اقرب لشخص على باب الله وكان يتابع نشاطا لبعض المشتبهين كان يعقد في التكية السليمانية، ولطالما ظهر بشكل سائق ( هونداي ) يتلقط رزقه...
قال لي يوما في أواسط الثمانينات :
" إنما أردت أن اتأكد بنفسي لا من أي فرع يتبع للشعبة"
لم تُسمع أصوات الدبابات في شوارع دمشق، ولم تقلع الطائرات لتنفيذ ما كان يُخطط له، لأن المعركة انتهت قبل أن تبدأ...
خلال الأسابيع الأولى من عام 1982 اختفى عشرات الضباط من مواقعهم العسكرية دفعة واحدة، لم يصدر بيان رسمي، ولم تنشر الصحف خبراً واحداً عن اعتقالات داخل الجيش، لكن المؤسسة العسكرية كانت تشهد واحدة من أكبر حملات التطهير في تاريخها الحديث، أُحيل بعض المعتقلين إلى محاكم استثنائية، بينما تحدثت شهادات لاحقة عن إعدامات نُفذت بعيداً عن الأضواء داخل السجون العسكرية، في ظل تكتم رسمي كامل، حفاظاً على صورة جيش قيل إنه ظل متماسكاً في أصعب ظروف البلاد...
كان الصمت، في تلك المرحلة، جزءاً من العقوبة...
وقبل ذلك بعامين فقط، كان النظام قد تلقى صدمة كشفت له أن الخطر قد يقف أحياناً على بعد أمتار قليلة من الرئيس نفسه...
في السادس والعشرين من حزيران عام 1980، وبينما كان حافظ الأسد يستقبل الرئيس النيجيري في قصر الضيافة بدمشق، انقلب المشهد في لحظات إلى سباق بين الحياة والموت. أحد عناصر الحراسة ألقى قنابل يدوية وأطلق النار باتجاه الرئيس، نجا الأسد بأعجوبة، بينما قُتل أحد أفراد حمايته وهو يحاول امتصاص الانفجار بجسده...
لم تكن تلك مجرد محاولة اغتيال، بل كانت إعلاناً قاسياً بأن الاختراق وصل إلى الحلقة الأكثر حساسية في النظام، ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء. أعيد بناء منظومة الحماية الرئاسية، وتشددت إجراءات الأمن بصورة غير مسبوقة، واتسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية حتى أصبحت تراقب الجيش كما تراقب المجتمع...
وفي الخلفية، كانت أجهزة الأمن تلاحق شبكات أخرى أقل تنظيماً، ضمت بعض الضباط السابقين والبعثيين الذين خرجوا من دائرة النفوذ منذ صراعات الستينيات، لم تتجاوز تلك المحاولات حدود الاتصالات والتخطيط الأولي، وانتهت معظمها بالاعتقال قبل أن تلامس الواقع، لكنها عكست حقيقة واحدة لم يكن أحد يجرؤ على إعلانها: حتى داخل الدولة نفسها لم يكن الإجماع كاملاً كما بدا في الخطاب الرسمي...
عندما اندلعت أحداث حماة في شباط 1982، انشغلت أنظار العالم بالمدينة التي تحولت إلى ساحة حرب، بينما كانت ملفات أخرى قد أغلقت بصمت داخل أقبية التحقيق والسجون العسكرية، اختفت أسماء ضباط من السجلات، واختفت معها تفاصيل كثيرة لم يُكشف عنها رسمياً إلا بعد سنوات، عبر مذكرات مسؤولين سابقين وشهادات منشقين وباحثين حاولوا إعادة تركيب تلك المرحلة قطعةً قطعة...
هكذا دخل النظام الثمانينيات وهو يخرج منتصراً عسكرياً، لكنه أكثر شكاً من أي وقت مضى، لم يعد يخشى المعارض الذي يرفع السلاح في الخارج بقدر ما أصبح يخشى الضابط الذي يقف في اجتماع تحية العلم صباحاً، ومنذ تلك السنوات أصبحت الثقة داخل المؤسسة العسكرية امتيازاً نادراً، وأصبح الأمن هو اللغة التي تتحدث بها الدولة مع نفسها قبل أن تتحدث بها مع خصومها...
كانت دمشق تبدو هادئة لمن ينظر إليها من بعيد، لكن تحت ذلك الهدوء كانت المدينة تعيش على إيقاع حرب لا يسمعها إلا الذين كانوا يعرفون أن أخطر الانقلابات ليست تلك التي تخرج إلى الشوارع، بل تلك التي تُدفن في صمت قبل أن تولد.