
حين تتحول السياسة إلى عقيدة... كيف يُصنع القائد المقدس؟.
ليست كل ظاهرة التأييد السياسي تُفسَّر بالمصالح، ولا بالخوف، ولا بالكراهية، ولا حتى بالأمل في الخلاص، ففي بعض اللحظات التاريخية تتجاوز السياسة حدودها الطبيعية، لتدخل منطقة أكثر تعقيداً وتأثيراً: منطقة المقدس...
وهذا ما يفسر جانباً من ظاهرة التأييد الشديد لأحمد الشرع (الجولاني) لدى قطاع من أنصاره، فالقضية، عند هؤلاء، لا تتعلق فقط بسقوط نظام الأسد، ولا بمجرد وصول فصيل إسلامي إلى الحكم، وإنما بوجود صورة ذهنية تراكمت عبر عقود من الخطاب الديني حول الشام، والملاحم، وآخر الزمان...
لقد احتلت بلاد الشام مكانة خاصة في الوعي الإسلامي منذ قرون، واستند ذلك إلى أحاديث وآثار تتحدث عن فضائلها، وعن أحداث كبرى يُعتقد أنها تقع فيها في آخر الزمان، مثل نزول المسيح عيسى عليه السلام، وخروج الدجال، والملاحم الكبرى، وغيرها من النصوص التي كانت دائماً محل دراسة وتفسير بين العلماء، مع اختلافهم في دلالاتها وكيفية تنزيلها على الواقع...
غير أن المشكلة لا تكمن في النصوص ذاتها، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها بعض الناس معها، فهناك فارق كبير بين الإيمان بالنصوص الدينية، وبين تحويلها إلى عدسة يُقرأ من خلالها كل حدث سياسي معاصر...
فعندما يسقط نظام استبدادي، ويظهر قائد ذو خلفية جهادية يحكم من دمشق، ويتحدث بلغة دينية، يصبح من السهل على بعض العقول أن تربط بين الواقع وبين تلك السرديات القديمة، فتنتقل الشخصية السياسية من كونها فاعلاً بشرياً إلى رمز يحمل معنى يتجاوز شخصه...
وهنا تبدأ السياسة بالخروج من دائرة النقد، والدخول في دائرة الإيمان. .
إذ لم يعد السؤال:
- هل ينجح هذا الحاكم في بناء مؤسسات؟..
- وهل يحترم القانون؟..
- وهل يصون الحقوق والحريات؟..
- وهل يمتلك مشروعاً اقتصادياً وإدارياً قابلاً للحياة؟
بل يتحول السؤال، أحياناً دون وعي، إلى:
- هل هذا الرجل جزء من الوعد الإلهي؟..
- وهل معارضته قد تعني الوقوف في وجه مشروع التمكين؟..
عند هذه النقطة يصبح نقد السلطة أكثر صعوبة، لأن الاعتراض لم يعد يُستقبل بوصفه اختلافاً سياسياً، بل باعتباره تشكيكاً في مشروع يُنظر إليه على أنه يحمل بعداً دينياً أو تاريخياً...
وتبدأ عملية إعادة تفسير كل الأخطاء، فبدلاً من اعتبارها إخفاقات سياسية قابلة للمحاسبة، تُقدَّم باعتبارها ضرورات مرحلية، أو ابتلاءات، أو حكمًا لم تتكشف بعد. وتتحول المساءلة إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والاختلاف إلى تشكيك في "المشروع" نفسه.
وهذه ليست ظاهرة سورية خالصة، بل عرفها التاريخ مراراً، فقد اكتسب كثير من الحكام، في تجارب مختلفة، هالة دينية أو أيديولوجية جعلت أتباعهم يرون فيهم أكثر من مجرد قادة سياسيين، وفي كل مرة كان تقديس الأشخاص يؤدي إلى إضعاف فكرة الدولة، لأن الدولة تقوم على المؤسسات والمحاسبة، بينما يقوم التقديس على العصمة الضمنية والثقة المطلقة...
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول السياسة إلى عقيدة، وأن يصبح الحاكم رمزاً مقدساً لا يُناقش، لأن الدولة الحديثة لا تُبنى بالإيمان بالأشخاص، بل بالاحتكام إلى القانون، وتداول السلطة، وحرية النقد، والمساءلة المستمرة...
فكل إنسان، مهما كانت نواياه أو تاريخه أو شعاراته، يبقى مشروعاً للنجاح كما يبقى مشروعاً للخطأ. والسياسة بطبيعتها عمل بشري نسبي، لا رسالة معصومة، ولا قدراً منزلاً...
ولهذا، فإن حماية الدين تكون بإبقائه فوق صراعات السلطة، وحماية الدولة تكون بإخضاع الحاكم للنقد والمحاسبة...
أما عندما يمتزج المقدس بالسياسي، فإن أول ضحية تكون العقل، وثانيها الحرية، وثالثها الدولة نفسها.
ملاحظة :
الفكرة مقتبسة من برنامج يقدمه استاذ سوري لقبه ( الحلاق ) رأيته يوم أول أمس ...
أعدتها بتصرف .