
ثقافة الغلبة… عندما يصبح الانتصار هزيمة للوطن :
«حين يتحول الانتصار إلى هدف بحد ذاته، يفقد الوطن معناه، ويصبح الصراع بديلاً عن السياسة.»
لا تولد الحروب الأهلية فجأة، ولا تنفجر المجتمعات من فراغ، ولا تتحول الدول إلى ساحات صراع مفتوحة بسبب حدث واحد أو قرار واحد أو لحظة سياسية بعينها، بل تتشكل في العمق قبل ذلك بكثير، في طبقات غير مرئية من الوعي الجمعي، وفي طريقة التفكير التي تتسلل ببطء إلى السياسة والمجتمع معاً، حتى تصبح جزءاً من البنية الذهنية دون أن يُنتبه إليها في لحظتها...
في الحالة السورية، كما في حالات أخرى مشابهة في التاريخ الحديث، يمكن فهم أحد الجذور العميقة للأزمة من خلال منطق لم يكن مكتوباً في الدساتير ولا معلناً في البرامج السياسية، لكنه كان حاضراً في الممارسة اليومية وفي طريقة إدارة الخلافات، وهو ما يمكن تسميته بـ"ثقافة الغلبة".
هذه الثقافة لا تُقدَّم كنظرية ولا تُطرح كشعار، لكنها تعمل كمنطق ضمني يحكم العلاقات السياسية والاجتماعية كون فكرة أن الصراع بين الأطراف لا تُفهم بوصفها اختلافاً داخل وطن واحد، بل بوصفها مواجهة لا تكتمل إلا بانتصار طرف وهزيمة طرف آخر، بمعنى أن السياسة لا تُمارس كإدارة للتعدد، بل كإدارة للحسم.
في هذا التصور، لا يكون الهدف تنظيم الاختلاف، بل إنهاؤه، ولا تكون الدولة مساحة للتوازن والتفاوض، بل ساحة لاختبار القوة وإثبات السيطرة، ولا يُنظر إلى الخصم السياسي باعتباره مواطناً يختلف في الرأي والموقع، بل يُعاد تعريفه تدريجياً بوصفه تهديداً يجب تقليصه أو تحييده أو إبعاده عن التأثير...
وبهذا الشكل، يتحول الخلاف من اختلاف داخل إطار وطني إلى صراع على معنى هذا الإطار نفسه، وعلى من يحق له تعريفه...
لكن خطورة ثقافة الغلبة لا تكمن فقط في لحظات الحرب أو الانفجار، بل في أنها تتشكل في زمن السلم أيضاً، داخل المؤسسات، وفي الخطاب السياسي، وفي طريقة إدارة التوازنات العامة، فهي تبدأ عندما تصبح القدرة على السيطرة هي معيار الشرعية، وعندما يُنظر إلى التوافق بوصفه ضعفاً، وإلى التسوية بوصفها تنازلاً، وإلى الشراكة بوصفها تهديداً للنقاء السياسي أو الأيديولوجي...
ومع مرور الزمن:
لا تبقى هذه الثقافة محصورة في المجال السياسي الضيق، بل تتسرب إلى المجتمع نفسه، إلى اللغة اليومية، إلى الإعلام، إلى التربية غير المباشرة التي يتلقاها الأفراد من محيطهم، فيبدأ الإنسان في تبني نفس المنطق دون وعي اقصد يصل الإنسان إلى مكان يتمحور ديدن تفكيره حول فكرة واحدة : إما أن أكون على صواب كامل، أو أن يكون الآخر على خطأ كامل، بمعنى إما أن ننتصر، أو أن نخسر.
في هذا السياق، يتراجع مفهوم “المساحة المشتركة” تدريجياً، لأن المنطقة الوسط بين الأطراف تصبح غير مستقرة وغير مقبولة، وكأنها منطقة رمادية يجب التخلص منها لصالح وضوح حاد، حتى لو كان هذا الوضوح يقود إلى الاصطدام...
هذه البنية لا تُصنع في لحظة، بل تتراكم عبر سنوات طويلة من التجارب السياسية والاجتماعية التي تعزز الفكرة نفسها:
أن الصراع هو الأصل، وأن التوازن حالة مؤقتة، وأن الحسم هو الشكل النهائي الطبيعي لأي خلاف...
ومع كل أزمة سياسية أو اجتماعية، كانت هذه الفكرة تزداد رسوخاً، فبدلاً من أن تتحول الأزمات إلى فرص لإعادة بناء الثقة، كانت تتحول إلى محطات إضافية لتعميق الشك بين الأطراف، وتعزيز القناعة بأن الآخر لا يمكن التعايش معه إلا من موقع القوة أو الإخضاع...
ومع الوقت:
لم يعد من الممكن الفصل بين السياسة والمجتمع في هذا المنطق، فالسياسة لم تعد مجرد إدارة للدولة، بل أصبحت انعكاساً لنمط تفكير أوسع يرى في الاختلاف تهديداً، وفي التعدد مشكلة، وفي التسوية حالة مؤقتة لا تستحق البناء عليها...
وحين وصلت البلاد إلى لحظة الانفجار الكبرى، لم تكن ثقافة الغلبة قد وُلدت فجأة، بل كانت موجودة بالفعل، لكنها خرجت من تحت السطح بكامل كثافتها، فالانقسام الذي ظهر في لحظة الأزمة لم يكن بداية جديدة، بل كان لحظة كشف لطبقات عميقة كانت تعمل بصمت طوال الوقت...
في تلك اللحظة، لم يعد الطرف الآخر مجرد خصم سياسي، بل أصبح يُرى بوصفه تهديداً مباشراً للوجود نفسه، لا يمكن التعامل معه إلا عبر الإقصاء أو الإضعاف أو السيطرة الكاملة. وهكذا تحولت العلاقة بين الأطراف من علاقة سياسية قابلة للإدارة إلى علاقة وجودية مغلقة...
وعندما يتحول الخلاف السياسي إلى صراع وجودي، يفقد الوطن معناه الأولي بوصفه إطاراً جامعاً، ويبدأ بالتفكك إلى روايات متوازية لكل طرف منها تعريفه الخاص للشرعية والتاريخ والدولة...
في هذا السياق، يصبح السؤال الأساسي لم يعد:
- كيف ندير الدولة؟..
بل:
- كيف نهزم الطرف الآخر؟..
وهذا التحول ليس مجرد تغيير في اللغة السياسية، بل هو انتقال جذري في بنية التفكير نفسها، من منطق الشراكة إلى منطق الغلبة، ومن منطق إدارة الاختلاف إلى منطق إدارة الصراع...
ومع استمرار هذا التحول، تبدأ كل أدوات السياسة بالتغير أيضاً، فالتسوية تُصبح علامة ضعف، والتفاهم يُقرأ كتنازل، والحوار يُنظر إليه بشك، بينما تُصبح القوة أو التهديد بها جزءاً غير معلن من قواعد اللعبة السياسية والاجتماعية...
لكن ما يميز ثقافة الغلبة أيضاً أنها لا تبقى محصورة في النخب أو في المؤسسات، بل تتسرب إلى المجتمع نفسه، إلى العلاقات اليومية، إلى طريقة فهم الناس للنجاح والفشل، وحتى إلى الخطاب الأخلاقي العام. فيبدأ الأفراد في إعادة إنتاج نفس المنطق في حياتهم اليومية: إما أن تكون الحقيقة المطلقة معي، أو أن تكون ضدي...
ومع هذا التبسيط الحاد للعالم، يفقد الاعتراف بالخطأ قيمته، وتفقد التسوية معناها، ويصبح التعايش مع الاختلاف أمراً مرهقاً، لأن الاختلاف لم يعد يُفهم بوصفه تنوعاً، بل بوصفه تهديداً يجب التعامل معه...
وهنا يبدأ الانكماش التدريجي للمجال المشترك داخل المجتمع، ويبدأ كل طرف في بناء عالمه الرمزي الخاص، حيث تتشكل سرديته عن الدولة، وعن التاريخ، وعن العدالة، وعن الشرعية، بشكل منفصل عن الآخرين...
ومع اندلاع الحرب السورية، لم تُخلق هذه الثقافة من العدم، بل انتقلت من حالة كامنة إلى حالة معلنة، فالحرب لم تُنتج الانقسام، بل كشفت حدته، وسمحت له بأن يظهر بشكل كامل دون قيود...
في لحظة الخوف، تتراجع الثقة العامة، وتتصدر الهويات الجزئية المشهد، ويُعاد تعريف العلاقات الاجتماعية وفق خطوط حادة من التمييز بين “نحن” و“هم”، حتى داخل المكان الواحد والجغرافيا الواحدة...
وهكذا يصبح الوطن نفسه جزءاً من الصراع، لا الإطار الذي يحتويه، ويتحول من فكرة جامعة إلى موضوع نزاع: من يعرّفه؟ من يملكه؟ من يمثله؟ ومن يحق له التحدث باسمه؟
وهنا تتغير المعادلة الأساسية بالكامل. فبدلاً من أن يكون السؤال:
- كيف نبني دولة؟..
يصبح السؤال:
- من يسيطر على الدولة؟..
وهذا التحول، رغم بساطته الظاهرة، هو أحد أخطر التحولات في التاريخ السياسي لأي مجتمع، لأنه ينقل الصراع من مستوى إدارة الاختلاف إلى مستوى الصراع على الوجود السياسي نفسه...
ومع هذا التحول، لا يُعاد تشكيل الحاضر فقط، بل يُعاد أيضاً تشكيل الماضي، إذ يبدأ كل طرف في قراءة التاريخ من زاويته الخاصة، وإعادة تفسير الأحداث وفق موقعه، حتى يصبح التاريخ نفسه ساحة صراع موازية للواقع، لا تقل عنه حدة أو تأثيراً...
في النهاية:
لا تنشأ الكارثة عند لحظة الانفجار، بل عند اللحظة التي يصبح فيها الانقسام داخل الوعي أمراً طبيعياً، عندما يصبح الآخر موضع شك دائم، لا شريكاً في الانتماء، وعندما يتحول الوطن من فكرة مشتركة إلى مساحة متنازع عليها...
ومن هنا:
فإن الخروج من ثقافة الغلبة لا يمكن أن يكون مجرد تعديل سياسي أو إصلاح مؤسسي، بل هو تحول أعمق بكثير، يتعلق بإعادة تعريف معنى الانتصار نفسه...
وهنا يصير السؤال :
- هل الانتصار هو هزيمة الآخر؟..
- أم القدرة على بناء وطن يتسع للجميع، بما فيهم المختلفون؟..
التاريخ يبين أن المجتمعات التي تبقى أسيرة منطق الغلبة قد تحقق انتصارات مؤقتة، لكنها تفشل في إنتاج استقرار دائم، لأن الانتصار الذي يُقصي جزءاً من المجتمع يتحول مع الزمن إلى هزيمة مؤجلة للوطن كله...
أما البديل، فلا يكمن في إنكار الصراع أو تجاهل الاختلاف، بل في تنظيمه داخل إطار سياسي ومؤسسي يعترف به، ويمنحه شرعية، بدل أن يدفعه إلى خارج النظام السياسي...
إن الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق الدولة هو في جوهره انتقال من فكرة الانتصار على الآخر إلى فكرة الانتصار المشترك على الفوضى، وهو انتقال يبدو بسيطاً في اللغة، لكنه شديد التعقيد في الواقع، لأنه يتطلب إعادة بناء الوعي قبل إعادة بناء المؤسسات...
ومن دون هذا التحول، يبقى الوطن عرضة لإعادة إنتاج نفس الدائرة، مهما تغيرت الأسماء أو تبدلت المراحل أو تبدلت الظروف.