
حين يُقدَّس الحاكم...
تبدأ أزمة الدولة.
ليست المشكلة في الأشخاص، مهما علت مناصبهم، وإنما في الثقافة التي تصنع منهم ما لم يدّعوه لأنفسهم، فالتاريخ يعلمنا أن الطغيان لا يولد مع الحاكم، بل يبدأ غالبًا مع أول من يرفعه فوق مرتبة البشر، ويحيط اسمه بهالة من العصمة، ثم يجعل الولاء له معيارًا للوطنية، والنقد جريمة، والاختلاف خيانة...
ومن هنا:
فإن من أخلص النصائح لأي قيادة وطنية أن تعمل على حماية نفسها من محبةٍ تتجاوز حدود العقل، ومن تأييدٍ يتحول إلى تقديس، ومن خطابٍ يرى في الرئيس منقذًا لا يخطئ، لا مسؤولًا يصيب ويخطئ...
إن الرئيس أحمد الشرع، كأي رئيس، تزداد مكانته كلما اقترب من الناس، لا كلما ارتفع فوقهم، وقوة الدولة لا تُقاس بحجم التصفيق لقائدها، وإنما بقدرة مواطنيها على محاسبته، وثقتهم بأن القانون يسمو على الجميع، وأن المؤسسات أقوى من الأفراد...
لقد أثبتت تجارب المنطقة أن أخطر أشكال التطرف ليس ما تحمله الجماعات المسلحة فحسب، بل ما تزرعه بعض الخطابات من عقليةٍ تقسم المجتمع إلى فسطاطين:
"معنا أو ضدنا، مؤمن أو خائن، مخلص أو متآمر"...
وعندما تستقر هذه الثنائية في الوعي العام، يصبح العنف احتمالًا مؤجلًا، لا احتمالًا مستبعدًا...
ولهذا:
فإن المسؤولية الوطنية تقتضي ترسيخ ثقافة مختلفة، ثقافة تُبعد الدين عن التوظيف السياسي، وتُعيد الإعلام إلى رسالته المهنية، وتغرس في الأجيال أن الحاكم موظف عام، وأن احترامه لا يعني تأليهه، وأن محبته لا تعني تعطيل النقد، وأن هيبة الدولة تنبع من عدالة مؤسساتها، لا من صناعة الهالات حول رجالها...
للعلم:
فإن الأمم لا تحميها الشخصيات الاستثنائية بقدر ما تحميها المؤسسات الراسخة، والرؤساء يرحلون، أما الدولة فتبقى، ومن حق كل رئيس على شعبه أن يحترمه، ولكن من حق الوطن على الجميع ألا يتحول هذا الاحترام إلى ثقافة تقديس تُضعف الدولة باسم الدفاع عنها...
لذا:
فإن أعظم خدمة يمكن أن تُقدَّم لأي قائد هي أن يبقى إنسانًا في نظر شعبه، وأن يبقى الدستور فوق الجميع، وأن يظل الوطن أكبر من كل الأسماء، لأن الدول التي تُبنى على الأشخاص تتصدع برحيلهم، أما الدول التي تُبنى على المؤسسات فتستمر، مهما تبدلت الوجوه.