محاكمة عاطف نجيب: بين عدالة الضحايا وامتحان الدولة الجديدة

Salah Kirata • ٢٥‏/٦‏/٢٠٢٦

51182.png

محاكمة عاطف نجيب:
 بين عدالة الضحايا وامتحان الدولة الجديدة.

ليست محاكمة العميد السابق عاطف نجيب مجرد دعوى جنائية عادية تنظر فيها إحدى محاكم دمشق، وليست كذلك محاكمة لشخص واحد مهما بلغ حجم دوره في أحداث درعا عام 2011، إنها، في جوهرها، أول اختبار حقيقي لقدرة الدولة السورية الجديدة على الانتقال من منطق السلطة الأمنية إلى منطق دولة القانون، ومن ثقافة الإفلات من العقاب إلى ثقافة المساءلة القضائية...

في الجلسة الرابعة التي انعقدت في القصر العدلي بدمشق، انتقلت المحكمة من مرحلة الاستماع إلى دفوع المتهم إلى مرحلة أكثر حساسية وخطورة، تمثلت في مواجهة الرواية الرسمية السابقة بشهادات الضحايا وذويهم وشهود الحق العام، هنا لم تعد القضية مجرد أوراق ومحاضر، بل تحولت إلى مواجهة مباشرة بين ذاكرة جماعية مثقلة بالألم وبين متهم يحاول تفكيك عناصر المسؤولية المنسوبة إليه...

قرار المحكمة بإغلاق الجلسة أمام وسائل الإعلام والمنظمات الدولية وإيقاف البث المباشر أثار بطبيعة الحال نقاشاً واسعاً، غير أن النظر إلى المسألة من زاوية قانونية بحتة يقود إلى نتيجة مختلفة عن تلك التي قد يتبناها دعاة العلنية المطلقة، فالأصل في المحاكمات أن تكون علنية، لكن هذا الأصل ليس مقدساً إلى الحد الذي يسمح بتعريض الشهود أو عائلاتهم للخطر. والعدالة لا تُقاس بعدد الكاميرات الموجودة في القاعة، بل بقدرة المحكمة على الوصول إلى الحقيقة دون ترهيب أو ضغط أو خوف...

لقد أدركت المحكمة على ما يبدو أن شهود درعا لا يزالون يحملون مخاوف متراكمة عمرها خمسة عشر عاماً، وأن حماية الشاهد في هذه المرحلة ليست ترفاً إجرائياً، بل شرطاً ضرورياً للوصول إلى شهادة حرة وصادقة، ومن هذه الزاوية يبدو قرار السرية الجزئية أكثر انسجاماً مع مقتضيات العدالة من الإصرار على العلنية الشكلية...

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في حماية الشهود، بل في طبيعة الجرائم ذاتها...

فالنيابة العامة تتحدث عن جرائم ضد الإنسانية، وعن سياسة ممنهجة للقمع والتعذيب واستهداف المدنيين، وهذه أوصاف تجد سندها الواضح في القانون الدولي الجنائي وفي اجتهادات المحاكم الدولية، لكنها تصطدم بإشكالية معروفة داخل التشريع السوري التقليدي، الذي لم يتضمن تاريخياً تعريفاً متكاملاً للجرائم ضد الإنسانية كما ورد في نظام روما الأساسي أو في السوابق القضائية الدولية...

وهنا تبرز المعضلة الأساسية: 
- هل تستطيع المحكمة الوطنية أن تحاكم على أساس توصيفات قانونية لم تكن مدونة صراحة في قانون العقوبات السوري وقت ارتكاب الأفعال؟

برأيي:
الإجابة ليست بالبساطة التي يصورها بعض القانونيين. فمبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص" يبقى من أهم ضمانات العدالة الجنائية، لكن هذا المبدأ نفسه لا يمنع الاستناد إلى قواعد القانون الدولي العرفي التي كانت قائمة ومعترفاً بها قبل وقوع الأحداث، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم واسعة النطاق تستهدف السكان المدنيين بصورة منهجية. ولذلك فإن نجاح المحكمة لن يعتمد على الشعارات السياسية أو الأخلاقية، بل على قدرتها في بناء جسر قانوني متين بين القانون الوطني والالتزامات الدولية لسورية...

أما دفاع المتهم القائم على تحميل المسؤولية لجهات أمنية أخرى، وعلى رأسها الأمن العسكري، فهو دفاع متوقع ومألوف في جميع القضايا المرتبطة بالأنظمة الأمنية المركبة. فالمتهم لا ينكر وقوع الانتهاكات بقدر ما ينكر علاقته المباشرة بها...

غير أن المشكلة هنا لا تتعلق بتحديد الجهة التي ضغطت على الزناد فحسب، بل بتحديد من كان يمتلك سلطة الأمر والتوجيه والسيطرة الفعلية، فالقانون الجنائي الحديث لم يعد يقتصر على معاقبة المنفذ المباشر، بل يلاحق أيضاً المسؤول الذي يعلم بوقوع الجريمة ويملك القدرة على منعها ثم يمتنع عن ذلك...

ولهذا فإن المحكمة ستكون مطالبة بتجاوز الخطابات العامة والانطباعات السياسية، والبحث عن الأدلة التي تثبت وجود رابطة سببية واضحة بين موقع المتهم القيادي وبين الجرائم المدعى بها. فالإدانة التاريخية شيء، والإدانة القضائية شيء آخر تماماً...

إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه القضية هو أن تتحول المحكمة إلى منصة للثأر السياسي، كما أن أخطر ما يمكن أن يحدث في المقابل هو أن تتحول إلى مسرح لإعادة إنتاج الإفلات من العقاب تحت ستار الشكليات القانونية، العدالة الحقيقية تقف دائماً في المنطقة الفاصلة بين هذين الخطرين...
عموماً:
من المبكر الحديث عن الحكم النهائي، لكن المؤكد أن القضية تجاوزت شخص عاطف نجيب منذ زمن. فالحكم الذي سيصدر لن يُقرأ باعتباره حكماً على ضابط سابق فحسب، بل باعتباره مؤشراً على طبيعة سوريا التي تحاول أن تولد من بين أنقاض حرب طويلة.

فإذا استطاعت المحكمة أن تقدم حكماً مؤسساً على الأدلة والقانون والضمانات الإجرائية، فإنها ستكون قد وضعت أول حجر في بناء عدالة انتقالية حقيقية، أما إذا غلبت الاعتبارات السياسية على الاعتبارات القانونية، فإن القضية ستتحول من فرصة تاريخية للمصالحة الوطنية إلى حلقة جديدة في سلسلة الانقسامات السورية...

لهذا السبب، فإن محاكمة عاطف نجيب ليست محاكمة رجل، بل محاكمة مرحلة كاملة من تاريخ سورية، وامتحاناً عسيراً للدولة التي تحاول اليوم أن تثبت أن القانون يمكن أن يكون أقوى من الخوف، وأن العدالة يمكن أن تصل، ولو متأخرة، إلى أبواب الذين اعتقدوا يوماً أنهم فوق المساءلة...
ختاماً:
وكلمة حق يجب أن تقال وانا قطعا لا اريد بها باطلا وقد أثبتت سرديتي اعلاه أني أتحرى الحقيقة بشفافية وموضوعية :
أنا أرى غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بشرعية قرار السرية بحد ذاته، بل بما إذا كانت هذه السرية قد حجبت عن الرأي العام دفوعاً أو شهادات قد تؤثر في فهم القضية، فإذا كان المتهم قد قدم رواية مغايرة بشأن المسؤولية عن بعض الوقائع المفصلية، وإذا كانت شخصيات اجتماعية أو دينية ذات ثقل قد أدلت بشهادات تدعم بعض جوانب دفاعه، فإن العدالة تقتضي ألا تبقى هذه المعطيات حبيسة الجلسات المغلقة،  فالمشكلة لا تبدأ عندما تُغلق أبواب المحكمة لحماية الشهود، بل عندما يُحرم الرأي العام من الاطلاع المتوازن على ما قيل داخلها، لذلك فإن المعيار الحقيقي لنزاهة المحاكمة لن يكون قرار السرية نفسه، بل مدى التزام المحكمة في حكمها النهائي بعرض دفوع المتهم وشهادات النفي و الإثبات معاً، ومناقشتها قانونياً دون انتقائية أو إغفال.