--:--
#عاجل | التلفزيون الإيراني: القوات البحرية تحذر السفن بأن عليها العبور فقط من جنوب جزيرة لارك الجيش الإسرائيلي يفجر نفقاً لحزب الله بجنوب لبنان، مما يهدد اتفاق وقف إطلاق النار. ورداً على التصعيد، بحث الرئيس اللبناني جوزاف عون مع نظيره الأميركي دونالد ترمب سبل احتواء الموقف وضمان التزام الأطر ارتفاع أسعار النفط (برنت 72.49$) إثر ضربات متبادلة بين أميركا وإيران، مما يهدد اتفاق التهدئة الهش ويعرقل الشحن بمضيق هرمز وسط مخاوف من تصعيد عسكري.

بين أوهام الاستقرار وحدود القوة: مخاطر توظيف الجيش السوري في الساحة اللبنانية

Salah Kirata • ٢٩‏/٦‏/٢٠٢٦

52269.png


بين أوهام الاستقرار وحدود القوة:                            مخاطر توظيف الجيش السوري في الساحة اللبنانية.

تعود إلى الواجهة من جديد بعض الطروحات التي تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه ساحة يمكن إعادة تشكيلها عبر تحريك الأدوات العسكرية على نحو مباشر، ومن أبرزها فكرة الدفع بالجيش السوري إلى الداخل اللبناني تحت ذرائع تتصل بضبط الأمن وملء الفراغ، غير أن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أساسية في طبيعة العلاقة بين لبنان وسورية، وهي أن هذه العلاقة لم تكن يوماً علاقة حدود جغرافية صلبة بقدر ما كانت شبكة معقدة من التداخل السياسي والأمني والاجتماعي...

إن أي تدخل عسكري سوري داخل لبنان لن يكون عملية محدودة أو قابلة للضبط، بل سيعني إعادة فتح كامل طبقات التوازنات الهشة التي تشكل البنية الداخلية اللبنانية. فالساحة اللبنانية ليست فراغاً أمنياً، بل هي فضاء تتقاطع فيه قوى سياسية وطائفية ومسلحة متعددة، وفي مقدمتها حزب الله، إلى جانب فصائل محلية أخرى متفاوتة الارتباط بالدولة أو خارجها. وبالتالي فإن دخول قوة نظامية بحجم الجيش السوري إلى هذا المشهد يعني عملياً إعادة إنتاج الاشتباك لا احتوائه...

ولا يقف الخطر عند الحدود اللبنانية، إذ إن التجارب الإقليمية تؤكد أن أي تدخل عسكري واسع في بيئة لبنانية شديدة التشابك يؤدي سريعاً إلى توسع رقعة التوتر، واستدعاء فاعلين مسلحين من خارج البنية المحلية، بما في ذلك مجموعات جهادية تنتشر في بعض المناطق الهشة في شمال لبنان والبقاع، وهكذا يتحول الصراع من مواجهة محصورة إلى شبكة نزاعات مفتوحة تتداخل فيها الاعتبارات الميدانية والطائفية والإقليمية...

وفي المقابل:
 فإن الكلفة المحتملة على الداخل السوري تبدو أكثر خطورة من أي مكسب افتراضي. فالدولة السورية الخارجة من سنوات طويلة من الاستنزاف العسكري والسياسي تواجه تحديات ضخمة تتعلق بإعادة بناء مؤسساتها واقتصادها وبنيتها الاجتماعية. وأي انخراط جديد في ساحة خارجية يعني عملياً تحويل الموارد المحدودة من مسار إعادة الإعمار إلى مسار استنزاف جديد لا قدرة للداخل السوري على تحمله في هذه المرحلة...

وتُظهر التجارب الدولية أن توسيع نطاق استخدام القوة العسكرية خارج سياقها السياسي الدقيق يؤدي في الغالب إلى نتائج عكسية. ففي حالة سريلانكا، على سبيل المثال، بيّنت التجربة أن معالجة الأزمات الداخلية أو الإقليمية عبر أدوات عسكرية غير منضبطة سياسياً لا ينهي الصراع بل يعيد إنتاجه بأشكال أكثر تعقيداً وكلفة، ويؤدي إلى إطالة أمد الأزمات بدلاً من حلها...

لذا:
فإن الإشكالية الأساسية في هذه الطروحات لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في سوء تقدير طبيعة البيئة اللبنانية نفسها، فلبنان ليس ساحة يمكن إخضاعها لمنطق السيطرة المباشرة، بل هو نظام دقيق من التوازنات الداخلية، وأي ضغط خارجي غير محسوب يؤدي إلى ارتدادات سريعة قد تعيد إنتاج الفوضى بدل احتوائها، وعندما يكون الفاعل الخارجي جيشاً نظامياً منظماً، فإن احتمالات التصعيد تصبح أعلى وأكثر تعقيداً.

وعلى هذا الأساس، فإن فكرة الدفع بالجيش السوري إلى الداخل اللبناني تبدو أقرب إلى هندسة فوضى جديدة منها إلى مشروع استقرار. فبدلاً من تثبيت الأمن، يتم توسيع نطاقه، وبدلاً من احتواء التوتر يتم تصديره، وفي بيئة إقليمية شديدة الهشاشة تصبح نتائج مثل هذه المقاربات غير قابلة للتوقع أو السيطرة...
عموماً:
إن استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق عبر مزيد من العسكرة، كما أن استقرار سوريا لا يمكن أن يُبنى على استنزاف جديد خارج حدودها. وبين هذين الاعتبارين، يبقى الخيار الأكثر واقعية هو تفكيك أسباب التوتر البنيوية بدل إعادة تدويرها، وتعزيز منطق الدولة والمؤسسات بدل منطق المغامرة العسكرية العابرة للحدود.