--:--
#عاجل | التلفزيون الإيراني: القوات البحرية تحذر السفن بأن عليها العبور فقط من جنوب جزيرة لارك الجيش الإسرائيلي يفجر نفقاً لحزب الله بجنوب لبنان، مما يهدد اتفاق وقف إطلاق النار. ورداً على التصعيد، بحث الرئيس اللبناني جوزاف عون مع نظيره الأميركي دونالد ترمب سبل احتواء الموقف وضمان التزام الأطر ارتفاع أسعار النفط (برنت 72.49$) إثر ضربات متبادلة بين أميركا وإيران، مما يهدد اتفاق التهدئة الهش ويعرقل الشحن بمضيق هرمز وسط مخاوف من تصعيد عسكري.

من الدولة الأمنية إلى المجتمع المنقسم

Salah Kirata • ٢٩‏/٦‏/٢٠٢٦

52217.jpg

من الدولة الأمنية إلى المجتمع المنقسم:

(حين تُبنى الدولة على منطق الخوف، يتعلم المجتمع أن يحمي نفسه بالانغلاق بدل الثقة).

لا يمكن فهم الانقسام الذي أصاب المجتمع السوري باعتباره نتيجة الحرب وحدها أو حصيلة حدث سياسي عابر، بل هو نتاج مسار طويل ارتبط بطبيعة الدولة نفسها، وبالطريقة التي أعادت بها تشكيل علاقتها بالمجتمع. فشكل السلطة، وآليات إدارة الأمن، وطبيعة العلاقة بين المواطن والمؤسسات، كلها عوامل تصوغ تدريجياً وعي الأفراد وروابطهم الاجتماعية ومعنى انتمائهم...

فالدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل إطار يصنع أنماط العلاقات داخل المجتمع، وفي نموذج الدولة الأمنية تصبح الأولوية للضبط والسيطرة ومنع الانفلات، فيتقدم الأمن على السياسة، والاستقرار على التعددية، والتحكم على المشاركة، حتى يغدو الأمن هو المعيار الذي تُقاس به بقية وظائف الدولة...

قد يحقق هذا النموذج استقراراً ظاهرياً، لكنه يزرع في العمق أزمة ثقة. فحين تقوم العلاقة بين الدولة والمواطن على الرقابة والحذر، تتراجع الثقة المتبادلة؛ ترى الدولة المجتمع مجالاً يجب ضبطه، بينما ينظر المواطن إلى الدولة باعتبارها سلطة ينبغي الحذر منها لا مؤسسة تمثله...

ومع الزمن يتحول هذا النمط إلى ثقافة سياسية واجتماعية، فتتراجع السياسة بوصفها مساحة للحوار والتفاوض، وتتسع أدوات الضبط الأمني على حساب قنوات التمثيل والمشاركة، فيصبح المجال العام أكثر ضيقاً وأقل قدرة على استيعاب التوترات الكامنة...

غير أن الأثر الأعمق لا يظهر في العلاقة بين الدولة والمواطن فحسب، بل في العلاقات داخل المجتمع نفسه. فعندما تضعف الثقة بالدولة، يبحث الأفراد عن مصادر بديلة للحماية والانتماء، تبدأ هذه الدوائر بالعائلة، ثم تمتد إلى الطائفة أو العشيرة أو المنطقة، فتتحول الروابط الاجتماعية تدريجياً إلى شبكات حماية موازية، وأحياناً أكثر فاعلية من مؤسسات الدولة...

وهكذا ينتقل المجتمع من علاقة مباشرة بين الفرد والدولة إلى شبكة من الانتماءات الجزئية، يصبح فيها الانتماء الوطني واحداً من عدة انتماءات، وليس بالضرورة الأكثر حضوراً عند الأزمات، وعندما تقع الصدمة الكبرى، تعود كل جماعة إلى شبكاتها الأقرب طلباً للأمان، بدلاً من اللجوء إلى الدولة بوصفها المرجعية الجامعة...

في الحالة السورية، لم تصنع الحرب هذا الواقع، بل كشفت ما تراكم خلال عقود. فقد دخل المجتمع مرحلة الانفجار وهو يحمل تفاوتاً عميقاً في مستوى الثقة بالدولة، وفي تصورها كضامن للعدالة والحماية والتمثيل...

ولا يعني الحديث عن الدولة الأمنية تحميلها وحدها مسؤولية الانقسام، بل فهم دورها في إنتاج بيئة أضعفت الثقة العامة، ورسخت الانتماءات الجزئية على حساب الروابط الوطنية...

ومع ذلك، لم يكن المجتمع السوري مجتمعاً منغلقاً على الدوام، فقد استمرت مساحات واسعة من التعايش الحقيقي في التعليم والاقتصاد والجوار والعلاقات اليومية، لكنها بقيت محصورة داخل بيئة سياسية وأمنية لم تسمح لها بالتحول إلى قاعدة راسخة لبناء الثقة الوطنية...

ومع اندلاع الحرب، تعمقت هذه الانقسامات وتحولت الانتماءات الجزئية من روابط اجتماعية مرنة إلى حدود فاصلة، ليس بين المحافظات فحسب، بل أحياناً داخل المدينة الواحدة والحي الواحد، حتى غدا الاختلاف يتعلق بموقع الانتماء أكثر من كونه اختلافاً في الرأي...

إن أخطر ما تنتجه الدولة الأمنية ليس أدواتها المباشرة، بل آثارها البعيدة على بنية المجتمع. فهي لا تضعف العلاقة بين المواطن والدولة فقط، بل تقلل قدرة المجتمع على إنتاج الثقة والتضامن، فيصبح أكثر ميلاً إلى الانغلاق كلما واجه أزمة. ولذلك تتحول الأزمات إلى لحظات تفكك، لأن التضامن لا يولد لحظة الخطر، بل يُبنى مسبقاً على رصيد من الثقة العامة...

ومن هنا، فإن إعادة بناء سوريا لا يمكن أن تقتصر على إصلاح المؤسسات أو صياغة الدساتير، بل تستلزم إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين مكونات المجتمع نفسها. فمن دون هذه الثقة، تبقى أي بنية سياسية عرضة للاهتزاز مهما بلغت متانتها القانونية...

ويبقى السؤال مفتوحاً: 
- كيف يمكن الانتقال من دولة تُدار بمنطق الأمن إلى دولة تُبنى بمنطق الثقة؟..
- وكيف يمكن لمجتمع تشكل عبر الضرورة والانقسام أن يعيد بناء نفسه على أساس المواطنة والتعاقد المشترك؟

هذا السؤال يقود إلى المستوى الأعمق من التحليل، حيث لا يتعلق الأمر بشكل الدولة وحده، بل بجوهر المواطنة نفسها، وبالسؤال الأكثر حساسية:
- لماذا لم تتحول الدولة إلى بيتٍ مشترك لجميع السوريين؟