
حراس السماء في حقل الألغام:
تفكيك لغز تطهير سلاح الجو السوري (1979-1980).
لم يبدأ الخوف في سورية من هدير الشارع، بل من صمت الثكنات، كانت القيادة السياسية في دمشق تدرك، بعمق مستمد من جغرافيا الدبابات المقيمة أمام المقار السيادية، أن الأنظمة التي تصعد بروافد عسكرية لا تسقط عادة إلا بزلزال يضرب ركائزها الداخلية، لم تكن هذه القناعة ترفاً نظرياً، بل مستخلصاً مكثفاً لتاريخ سورية منذ جلاء المستعمر؛ حيث تحول استحقاق عام 1949، مع حسني الزعيم، إلى فاتحة لعصر قلق أصبحت فيه رتبة "مقدم" أو "عقيد"، متى ما تلاقت مع ظرف مواتٍ ولحظة غفلة، كافية لإعادة صياغة هوية الدولة وبث بيانها الأول عبر إذاعة دمشق خلال سويعات...
حين استقر حافظ الأسد في سدة الحكم عقب الحركة التصحيحية عام 1970، لم يكن التحدي الأكبر أمامه يكمن فقط في تأمين التخوم والحدود، بل في تحصين البنية العسكرية ضد التآكل والانقسام، لذا انطلقت عملية إعادة هيكلة شاملة للجيش استندت إلى معادلة دقيقة:
ألا تُترك الكفاءة المهنية وحيدة دون رفدها بضمانات "الولاء والموثوقية السياسية"، وعليه فقد أعيدت هندسة توزع مراكز القوى داخل الفرق الحساسة، بالتوازي مع منح أجهزة الاستخبارات العسكرية واستخبارات القوى الجوية تفويضاً مطلقاً لمراقبة النبض الداخلي للضباط، لم تعد التقارير تكتفي برصد الجاهزية القتالية، بل توغلت في تفاصيل الحياة الشخصية، والميول السياسية، بل وحتى المزاج العام ومستوى الرضا العقائدي داخل القطعات...
مع النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، كان هذا الهيكل العسكري والأمني يبدو صلباً ومحكم الإغلاق، لكن الرمال اللبنانية المتحركة بدأت بخلخلة هذا الجدار الإسمنتي عقب دخول القوات السورية عام 1976، إن استطالة أمد العمليات العسكرية هناك، وتقلب التحالفات الميدانية المفاجئ، وحجم الخسائر البشرية والمادية المتصاعدة، أفرزت حالة صامتة من الإنهاك النفسي والمهني في صفوف بعض الوحدات، وبشكل أكثر وضوحاً في سلك القوات الجوية والدفاع الجوي؛ حيث استشعرت نخب من الضباط والطيارين أن استنزاف مقدرات الجيش في صراعات جانبية يعيد توجيه العقيدة العسكرية التي نشأوا عليها...
تزامن هذا الضغط الخارجي مع غليان داخلي متعدد الجبهات؛ فقد شهدت الحواضر الجامعية السورية اضطرابات واحتجاجات سياسية، واتخذت النقابات المهنية (كالأطباء والمهندسين والمحامين) مواقف علنية حادة تطالب بالإصلاح ودولة القانون، في حين تحولت المواجهة بين السلطة وجماعة الإخوان المسلمين من مربع المناكفة السياسية إلى مربع العمل المسلح والاغتيالات المنظمة، لتدخل البلاد في أتون مواجهة أمنية وعنيفة قاسية...
إلا أنه وفي غمرة هذا المشهد المشتعل، ظهر السؤال الأكثر حساسية وغموضاً:
- متى بدأت الريبة تتسرب إلى عقل السلطة تجاه سلاح الجو تحديداً؟
حتى اللحظة، لا يمتلك التاريخ السوري المعاصر وثيقة رسمية علنية تجيب بشكل حاسم، إذ بقيت ملفات التحقيق والمحاكمات التي طالت عشرات الضباط والطيارين المعتقلين والمسرحين خلال عامي 1979 و1980 طي الكتمان المطلق داخل أدراج الأجهزة المعنية، وأمام هذا التعتيم، اعتمد المؤرخون والباحثون في إعادة تركيب مشهد "التطهير الصامت" على تقاطع مصادر متباينة: مذكرات ضباط متقاعدين، شهادات شخصيات معارضة عاصرت الحقبة، تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، ودراسات غربية متخصصة في بنية النظام السوري اعتمدت على وثائق استخباراتية ودبلوماسية رُفعت عنها السرية بعد عقود...
وتجمع هذه المصادر على وقوع حملة أمنية واسعة النطاق واستثنائية طالت القوات الجوية والدفاع الجوي في تلك الفترة، أسفرت عن اعتقال وإبعاد أعداد كبيرة من الكوادر الفنية والطيارين والضباط، إلا أن التفسيرات والدوافع تنقسم إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية يستند كل منها إلى قراءة معينة للواقع:
* السيناريو الأول (التنظيم السري):
يشير إلى أن الاستخبارات العسكرية وضعت يدها على نواة تنظيم عسكري فعلي داخل سلاح الجو، كان يتحرك في الظل لبناء شبكة اتصالات بين الضباط الساخطين للتمهيد لعمل عسكري مباشر يغير موازين القوى في العاصمة...
* السيناريو الثاني (حلقات النقاش والتذمر):
يرى أصحاب هذا الرأي أن الأمر لم يصل إلى مستوى "التنظيم الانقلابي الهيكلي"، بل كان عبارة عن لقاءات ونقاشات متبادلة بين ضباط طيارين جمعهم التبرم من الوضع السياسي المأزوم في البلاد والإنهاك في لبنان، ورصدت الأجهزة هذه الحلقات قبل أن تتحول إلى خطة عملانية...
* السيناريو الثالث (الضربة الاستباقية):
يذهب إلى أن القيادة السياسية، وفي ظل مناخ الاغتيالات والتوتر العام، فضّلت عدم الانتظار حتى تكتمل ملامح أي خطر محتمل، واختارت توجيه ضربة وقائية جراحية واسعة لسلاح الجو بُغية إعادة فرض السيطرة المطلقة وتطهير السلك من أي عناصر تشوب ولاءها شائبة، انطلاقاً من قاعدة أن الخطأ داخل الجيش لا يمكن تداركه، وهذا ( ما اميل له أنا شخصيا وارجحه على الأقل معنويا)...
عموماً:
وأياً كانت الرواية الأدق، فإن الإجراءات الصارمة التي تلت تلك الحملة حسمت الجدل حول حجم القلق الذي انتاب مراكز القرار؛ إذ أُعيدت هيكلة القوات الجوية والدفاع الجوي بشكل راديكالي، ومُنحت المكاتب الأمنية داخل القواعد العسكرية صلاحيات فيتو واسعة تجاوزت التراتبية العسكرية التقليدية، وغدا "الفحص الأمني والموثوقية العقائدية" المعيار الأول والشرط الشارط للترقي وشغل المناصب القيادية الحساسة. لم تكن هذه الخطوات مجرد تدبير أمني مؤقت لامتصاص أزمة، بل تحولت إلى استراتيجية حكم ثابتة استمرت لعقود طويلة صبغت العلاقة بين القيادة والمؤسسة العسكرية برمتها.
ومع ذلك، يظل اللغز الحقيقي معلقاً في الفراغ:
- إذا كانت الحملة قد حققت أهدافها بإنهاء الخطر الافتراضي، فأين غابت التفاصيل الدقيقة لتلك الحادثة؟..
- من هي الأسماء والوجوه التي صُنفت كعقول مدبرة لتلك الحركة؟..
- كيف التُقطت الإشارة الأولى، ومن هو الضابط أو المخبر الذي خطّ التقرير الأمني الأول الذي فجر هذا الملف الحساس؟..
إن بقاء هذه الأسئلة بلا إجابات رسمية هو ما يجعل قضية تطهير سلاح الجو (1979-1980) واحدة من أكثر الصفحات غموضاً وإثارة في تاريخ سورية الحديث، ويجعل من يقترب للبحث فيها كمن يحاول تفكيك شيفرة أرشيف سري أُغلقت بواباته بإحكام، ولم يُسمح إلا لبعض الشظايا المبتورة منه بالخروج إلى العلن.